كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: إن كانوا

ينطقون، أو أنه أَسند إليه ذلك؛ لكونه السبب، وعن الكسائي أنه كان يقف عند

قوله: {بَلْ فَعَلَهُ}؛ أي: فعله من فعله كائناً من كان، ثم يبتدئ: {كَبِيرُهُمْ هَذَا}، وهذا خبر مستقلّ، ثم يقول: {فَاسْأَلُوهُمْ} إلى آخره، ولا يخفى تكلفه.

وقوله: "هذه أختي" يُعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، كما

سيأتي واضحاً، قال ابن عَقِيل: دلالة العقل تَصْرِف ظاهر إطلاق الكذب على

إبراهيم، وذلك أن العقل قَطَع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به؛ ليُعْلَم

صِدق ما جاء به عن الله، ولا ثقةٌ مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود

الكذب منه؛ وإنما أُطلق عليه ذلك؛ لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى

تقديره فلم يصدُر ذلك من إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلامُ-؛ يعني: إطلاق الكذب على ذلك، إلا

في حال شدّة الخوف؛ لعلوّ مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك

المقامات يَجُوز، وقد يجب؛ لتَحَمُّل أخفّ الضررين دفعاً لأعظمهما، وأما

تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب، وإن كان قبيحاً مُخِلّاً،

لكنه قد يَحْسُن في مواضع، وهذا منها، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (?).

(ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: يعني به: وجود الله المنزه عن

صفات المخلوقات، والمقدَّس عن ذوات المُحْدَثات، وفيه دليل على جواز

إطلاق لفظ الذات على الله تعالى المقدس، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه

من المتكلمين.

وقال أيضاً: قوله: "اثنتين في ذات الله"؛ أي: في الدفع عن وجود الله

تعالى، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر

عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم، فوَرَّى بهذا اللفظ، وهو يريد

خلاف ما فهموا عنه -كما بيَّناه في الإيمان- حتى يخلو بالأصنام، فيكسرها،

ففعل ذلك، وترك كبير الأصنام؛ لينسب إليه كَسْرها بذلك قولاً يقطعهم به،

فإنَّهم لمّا رجعوا من عيدهم، فوجدوا الأصنام مكسَّرة: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59)} [الأنبياء: 59]، فقال بعضهم: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015