المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل منهم، فليس هذا بنهي عنه، والله
أعلم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى"، فإنما
أراد -والله أعلم- مَن سواه من الناس، دون نفسه، أو ذَهَب في ذلك مذهب
التواضع لربه، والهضم لنفسه، وكذلك في قوله -حين قيل: يا خير البرية-:
"ذاك إبراهيم -عَلَيْهِ السَّلامُ-"، وكان لا يحب المبالغة في الثناء عليه في وجهه؛ تواضعاً
لربه -عَزَّ وَجَلَّ-، وكان يقول: "لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما
أنا عبد، فقولوا: عبد الله، ورسوله".
قال: وأما اتخاذ الله إبراهيم خليلاً فإنه إنما اتخذه خليلاً على من كان
في عصره، من أعداء الله -عَزَّ وَجَلَّ-، لا على غيره من النبيين، وهو أنه هداه إلى
معرفته، ووفّقه لتوحيده، حين كان الكفر طَبَّق الأرض، ولم يكن في الدنيا
نسمة تعرف الله، وتعرف به غيره، فاتخذه خليلاً، بأن جعله أهلاً لهدايته أوّلاً،
ثم بأن أمره، ونهاه، فظهرت منه الطاعة ثانياً، ثم بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر
ثالثأ، فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداؤه، لأنه كان المطيع،
والناس غيره عصاة.
وقد اتخذ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حبيباً بدلالة الكتاب، وهو قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فإذا كان اتّباعه يفيد للمتبع
محبة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فالمتبع بها يكون أَولى، ودرجة المحبة فوق درجة الْخُلّة، وقد
تكلم أهل العلم في الفرق بين الحبيب والخليل بكلام كثير، وهو في كتب أهل
التذكير مذكور.
ثم أخرج البيهقيّ بسنده عن جعفر بن محمد في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] قال: أظهر اسم الخلة لإبراهيم -عَلَيْهِ السَّلامُ-؛ لأن الملك
ظاهر في المعنى، وأبقى اسم المحبة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - لتمام حاله؛ إذ لا يحب
الحبيب إظهار حال حبيبه، بل يحب إخفاءه، وسَتْره؛ لئلا يَطَّلع عليه أحد
سواه، ولا يدخل أحد بينهما، فقال لنبيّه وصفيّه محمد - صلى الله عليه وسلم - لمّا أظهر له حال
المحبة: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]؛ أي: