قال القرطبيّ: وهذا كلام جُمْليّ، لم يحصل به بيان تفصيليّ؛ فإنَّ هذا
الكلام من السهل جملة، الممتنع تفصيلاً، وييانه بالإعراب، وذلك: أن اسم
"كان" مستتر فيها يعود على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وخبرها في الجملة التي بعدها، وذلك:
أن "ما" من "مما" بمعنى الذي، وهي مجرورة بـ "من"، وَصِلَتها "يقول"،
والعائد محذوف، وهذا المجرور خبر المبتدأ الذي هو: "مَن رأى منكم رؤيا"؛
فإنَّه كلام محكيّ معمول للقول، تقديره: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جملة القول
الذي يقوله هذا القول.
ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون تقديرها: كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - من جملة
قوله: "مَن رأى منكم رؤيا"، و"مَنْ" في كلا الوجهين استفهام محكيّ، والله
تعالى أعلم.
وأبعدُ ما قيل فيها: قول من قال: إن "مِمّا" بمعنى: ربما، إذ لا يساعده
اللسان، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ- (?).
وقال الأبيّ في "شرحه": قال ثابتٌ: معنى "مما" هنا: كثيرٌ؛ أي: كثيراً
ما كان يقول؛ أي: شأنه، ودأبه، فجُعلت "ما" كنايةً عن ذلك، وأدغم فيها
نون "مِنْ"، فقيل: "مما"، وقال غيره: معنى "ممّا": ربّما، وهو بمعنى الأول؛
لأن ربّما تأتي للتكثير. انتهى (?).
وقوله: (فَلْيَقُصَّهَا) قال القرطبيّ: معنى "فليقصّها": ليذكر قصّتها، وليتَّبع
جزئياتها، حتى لا يترك منها شيئاً، مِنْ قصصت الأثر: إذا تتبَّعته، وأعبُرها؛
أي: أعتبرها، وأفسّرها، ومنه قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43]، وأصله مِنْ عَبَرت النهر: إذا جُزْتَ من إحدى عُدوتيه إلى
الأخرى. انتهى (?).
وقوله: (أَعْبُرْهَا لَهُ) مضارع عَبَرَ الرؤيا، من باب نصر عَبْراً، وعِبَارةً،
وعبّرها بالتشديد أيضاً: إذا فسّرها، وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها (?).