وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "فابْرُدوها بالماء" صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه

من بَرَّد الماءُ حرارةَ جوفي، وهو ثلاثيّ معدَّى؛ كما قال [من الطويل]:

وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكاب فإنَّها ... ستَبْرُدُ أكبادًا وتُبْكِي بَوَاكِيَا

وقد أخطأ من قال: أَبردوها، بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى:

"فأطفئوها"، بالهمزة رباعيًّا، من أطفأ. انتهى (?).

وقال النوويّ رحمه الله: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الحمى من فيح جهنم فابرُدوها بالماء"،

وفي رواية: "من فَوْر جهنم" هو بفتح الفاء فيهما، وهو شدّة حرّها، ولهبها،

وانتشارها، وأما "فابرُدوها" فبهمزة وصل، وبضم الراء، يقال: بَرَدتُ الحمَّى

أبرُدها بَرْدًا، على وزن قتَلتها أقتُلها قَتْلًا؛ أي: أسكنت حرارتها، وأطفأت

لهبها، كما قال في الرواية الأخرى: "فأطفئوها بالماء"، وهذا الذي ذكرناه من

كونه بهمزة وصل، وضم الراء، هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات،

وكُتُب اللغة، وغيرها، وحَكَى القاضي عياض في "المشارق" أنه يقال: بهمزة

قطع، وكَسْر الراء في لغة، قد حكاه الجوهريّ، وقال: هي لغة رديئة.

انتهى (?).

وقوله: (بِالْمَاءِ) قال ابن القيّم رحمه الله: فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء،

وهو الصحيح، والثاني: أنه ماء زمزم، واحتَجّ أصحاب هذا القول بما رواه

البخاريّ في "صحيحه" عن أبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ قال: كنت

أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدُوها بالماء، أو قال: بماء

زمزم"، وراوي هذا قد شكّ فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛

إذ هو متيسِّر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.

قال: ثم اختَلَفَ من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء،

أو استعماله؟ على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حَمَل من

قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم

يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما

طور بواسطة نورين ميديا © 2015