ثم إن كسر لامه هو الأصل، ويُسمّى "لغة من ينتظر"، وضمّها على أنه صار اسمًا مستقلًا، فيُعرب إعراب المنادى المفرد، ويُسمّى "لغة من لا ينتظر"، وإلى هذا أشار ابن مالك - رَحِمَهُ اللهُ - أيضًا في "الخلاصة" حيث قال:
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ ... فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا ... لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي "ثَمُودَ" "يَا ... ثَمُو" و"يَا ثَمِي" عَلَى الثَّانِي بِيَا
وَالْتَزِمِ الأَوَّلَ فِي كَـ "مَسْلِمَهْ" ... وَجَوِّزِ الْوَجْهَيْنِ فِي كَـ "مَسْلَمَهْ"
(إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تُفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك - رَحِمَهُ اللهُ - في "الكافية":
وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا ... بِجُمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زيدٌ سَرَى"
(قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ)؛ أي: ورد جماعة بأهليهم شيئًا بعد شيء، يسيرون قليلًا قليلًا، والدَّفِيف: السَّيْر الليِّن، وكأنهم كانوا قد أصابهم جَدْب في بلادهم، فانتجعوا المدينة، وفي رواية البخاريّ: "إنه قَدِم علينا من قومك أهل أبيات".
وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قوله: "دَفّ أهل أبيات": أي: نزلوا بهم مسرعين، محتاجين، وأصله من الدَّفيف، وهو: السَّير السَّريع، وكأن الذي تنزلُ به فاقةٌ يسرع المشي لتنجلي عنه. انتهى (?).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الدّفيف بالسير السريع مخالِف لِمَا في "القاموس"، و"المصباح"، فعندهما أنه السير الليّن، والمشي الخفيف، فتنبّه.
وقوله: (مِنْ قَوْمِكَ)؛ أي: من بني نَصْر بن معاوية بن بكر بن هوازن، (وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ) - بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة -؛ أي: عطيّة غير كثيرة، ولا مقدّرة، (فَخُذْهُ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ) مالك (قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي) جواب "لو" محذوف؛ أي: لكان خيرًا، أو هي للتمنّي، لا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنى أن تأمر بها غيري، وإنما قال مالك هذا تحرجًا من قبول الأمانة، ولم يبيِّن ما جرى له فيه؛ اكتفاءً بقرينة الحال،