عليها الاحتجاب عنه، فإذا رضع منها خمس رضعات، كما أمر - صلى الله عليه وسلم - سهلة بأن تُرْضع سالمًا خمس رضعات ثبت التحريم.
قال العلامة ابن القيّم - رحمه الله -: حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عامّ في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة، لمن لا يَستغني عن دخوله على المرأة، ويَشُقّ احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أَثَّرَ رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة، فتُقَيَّد بحديث سهلة، أو عامّة في الأحوال، فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ، ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له. انتهى كلام ابن القيّم - رحمه الله -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (?)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف القائلون بعدم تحريم رضاع الكبير في السنّ الذي يختصّ التحريم بالإرضاع فيه على أقوال:
(القول الأوّل): أنه حولان على طريق التحديد من غير زيادة، فمتى وقع الرضاع بعدهما، ولو بلحظة لم يترتّب عليه حكم، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد، وأبي ثور، وحكاه ابن عبد البرّ عن الحسن بن حيّ، وحكاه ابن حزم عن ابن شُبْرُمة، وسفيان الثوريّ، وداود، وأصحابهم، وحكاه ابن عبد البرّ عن داود أيضًا، وهذا يُخالف نقل النوويّ عن داود، قال ابن حزم: ورواه ابن وهب، عن مالك، ثم رجع عنه.
واحتجّ هؤلاء بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} الآية [البقرة: 233]. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الرضاعة من المجاعة (?) "،