وقال القرطبيّ رحمه الله: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة

لنصرة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن

سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة؛ إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم

بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة.

قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه

خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع

إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله

المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه،

ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. انتهى.

قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خَصّ ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا،

ولا حاجة إلى تخصيص المسألة، والله تعالى أعلم. انتهى (?).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله القرطبي نظران:

أما أوّلًا: ففي تعميمه المنع لكل من فرّ بدينه؛ لأن ذلك يَحتاج إلى

دليل، من نصّ أو إجماع.

وأما ثانيًا: ففي تفريقه بين مَن فَرّ بدينه، ومن ترك بلده لله، فإنه لا فرق

بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلق بهذا الحديث:

المسألة الأولى: حديث العلاء بن الحضرمي -رضي الله عنه- هذا مُتّفقٌ عليه.

المسألة الثانية: في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [78/ 3298 و 3299 و 3300 و 3301 و 3302]

(1352)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (3933)، و (أبو داود) في

"المناسك" (2022)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (949)، و (النسائيّ) في "تقصير

الصلاة في السفر" (3/ 122) و"الكبرى" (1/ 588 و 2/ 469)، و (ابن ماجه) في

طور بواسطة نورين ميديا © 2015