فقال: تائبين عابدين إلى آخره، وهو كير مناسب أيضًا لما فيه من تزكية النفس،
وإظهار الأعمال. انتهى (?).
وقوله: (عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ) جمع سا جد، وأصله الخضوع والتذلّل، ومنه
قول الشاعر:
تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
أي: متذلّلةً خاضعةً، قاله القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ (?).
(لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رَفْعٌ بتقدير "نحن"، والجارّ والمجرور متعلق
بـ "حامدون"، أو بـ "ساجدون"، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق
التنازع.
وقال وليّ الدين رَحِمَهُ اللهُ: قوله: "ساجدون" بعد قوله: "عابدون" مِن ذكْر
الخاصّ بعد العامّ، وقوله: "لربنا" يَحْتَمِل تعلقه بقوله: "ساجدون" أي: نسجد
له، لا لغيره من الأصنام وغيرها، وَيحْتَمِل أن يكون معمولًا مقدمًا لقوله:
"حامدون" أي: نحمده دون غيره؛ لرؤيتنا النعمة منه؛ إذ هو المنعم بها، لا
رب سواه. انتهى.
(صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ
مَغَانِمَ كَثِيرَةً} الآية [الفتح: 20]، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية [النور: 55]، وقوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ
يَنْصُرُهُ} [الحجّ: 40]، وهذا في سفر الغزو، والمناسب لسفر الحجّ والعمرة قوله
تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} الآية [الفتح: 27] (وَنَصَرَ
عَبْدَهُ) يريد -صلى الله عليه وسلم- نفسه الكريمة (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ") أي: من غير فعل أحد
من الآدميين، واختُلِف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل: هم كفار قريش، ومن
وافقهم من العرب، واليهود الذين تحزّبوا؛ أي: تجمعوا في غزوة الخندق،
ونزلت في شأنهم "سورة الأحزاب"، وقيل: المراد أعمّ من ذلك؛ أي: أحزاب
الكفار في جميع الأيام والمواطن، قال النوويّ: والمشهور الأول.
وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شُرع من بعد الخندق.