الصواب الذي تدلّ عليه الأدلّة الصحيحة، من فعل النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقوله، فتبصّر.

وقال الخطابيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامك،

وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس؛ لبيان فعل النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،

وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاجّ إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأن عليه

أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع، على ما سنّه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفعله، وبيّنه بقوله،

ولو أجزأته في غير المكان لمَا أخّرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام.

انتهى كلام الخطابيّ - رَحِمَهُ اللهُ - (?)، وهو تحقيق نفيسٌ.

وقال الكرمانيّ متعقّبًا لكلام الخطّابيّ: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز؛

إذ فعله المجرد لا يدلّ إلَّا على الثدب، وملازمة الشرطية في قوله: "لَمَا

أَخَّرها" ممنوعة؛ لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير؛ إذ

الأصل عدم الجواز.

وتعقّبه العينيّ، فقال: لا نسلّم نفي الدليل على عدم الجواز؛ لأن فعله

قارنه قوله، فدلّ على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالمًا

بالسنّة، ولم يكن يعلم ذلك؛ لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أول من سنها في حجة الوداع،

والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فَقِرَانُ فعله بقوله دليل على عدم الجواز،

ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود، والله أعلم. انتهى كلام

العينيّ - رَحِمَهُ اللهُ - (?).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ ردًّا على كلام الكرمانيّ

تحقيقٌ حقيق بالقبول؛ لأنه الذي تؤيّده الأدلّة الصحيحة، فتبصّر.

قال المحقّق ابن حزم - رَحِمَهُ اللهُ -: وأما قولنا: "لا تجزئ صلاة المغرب تلك

الليلة إلَّا بمزدلفة، ولا بدّ، وبعد غروب الشفق، ولا بدّ"، فلِمَا رَوَيناه من

طريق البخاريّ: نا ابن سلام، نا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد

الأنصاريّ، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن

زيد، قال: لما أفاض رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عرفات، عَدَلَ إلى الشِّعْب، فقضى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015