في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب
في كلّه. انتهى.
(الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة -رضي الله عنها- المذكور في
الباب، وقولها فيه: "ثم قد سنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطواف بينهما، فليس لأحد أن
يترك الطواف بينهما"، وبقولها أيضًا في "صحيح مسلم": "فلعمري ما أتمّ الله
حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة".
(الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك
أيضًا بكونه -صلى الله عليه وسلم- كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال: "خذوا عني
مناسككم".
(الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في "الصحيحين" عن
عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر -رضي الله عنهما- عن رجل قَدِم بعمرة، فطاف بالبيت،
ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فطاف
بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا،
وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وقال عمرو:
سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة.
(الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في "الصحيحين" عن أبي
موسى الأشعريّ -رضي الله عنه-، قال: قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو مُنيخٌ بالبطحاء،
فقال: "أحججت؟ "، فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت؟ "، فقلت: لبيك بإهلال،
كإهلال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة،
وأحلّ"، قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا.
انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم رحمهُ اللهُ
أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "خذوا عني
مناسككم" لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه
ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله؟ والله تعالى أعلم.
(المذهب الثاني): أنه واجب، وُيجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه،
وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه.