واعتذروا عن ركوب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بأن الناس كثُرُوا محليه، وغَشُوه بحيث إن
العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه -صلى الله عليه وسلم-، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان
يشكو، لما روى أبو داود في "سننه": "قدم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكة، وهو يشتكي،
فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه
أناخ، فصلى ركعتين".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن
في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا
ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طوافه -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لا يكون دليلًا على
المنع؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن
فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فِعله -صلى الله عليه وسلم- بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب
الطواف مطلقًا.
فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم
الركوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب.
وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج رحمهُ اللهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[3075] (1273) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
مُسْهِرٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-
بِالْبَيْتِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ؛ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ،
وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [8]
(ت 189) (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 6.
2 - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين.
3 - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكليّ،
صدوقٌ ربما دلّس [4] (ت 226) (ع) تقدم في "الإيمان" 4/ 119.
4 - (جَابِرُ) بن عبد الله -رضي الله عنهما-، تقدّم قبل بابين.