ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفِرَق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثم كان ما اختصوا به مما ذُكِر موجبًا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جُعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كُلّ بقسطه، وقد ثبت في "صحيح مسلم" - يعني الحديث الآتي آخر الباب - عن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق"، وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لتحقق مُشْتَرَكِ الإكرام في جميعهم؛ لما لهم من حسن الغَنَاء في الدين. انتهى (?).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى - بعد ذكره مزايا الأنصار، وقد قدّمناه - ما نصّه: وهذا المعنى جار في أعيان الصحابة - رضي الله عنهم -، كالخلفاء الراشدين، والعشرة، والمهاجرين، بل وفي كلّ الصحابة - رضي الله عنهم -؛ إذ كلُّ واحد منهم له شاهد، وغَنَاءٌ في الدين، وأَثَرٌ حسنٌ فيه، فحُبُّهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبُغضهم له محضُ النفاق، وقد دلّ على صحّة ما ذكرناه قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزّار (?) في أصحابه كلّهم: "فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي