الحرام؛ لبغضه الحرام، وبُعد مناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله على "الرجل" ونصبه، ولو حَكَى لفظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- رفع "الرجل" بالابتداء والخبرُ "يُطِيل"، ونحوه أنشد في "الكشّاف":
وَجَدْنَا فِي كِتَابِ بَنِي تَمِيمٍ ... أَحَقَّ الْخَيْلِ بِالرَّكْضِ الْمُعَارِ
فإن قوله: "أحقَّ الخيل" إن رُفِع كان على الحكاية، وإن نُصب كان مفعولًا لـ "وَجَدَ".
قال: وقوله: "أشعث، وأغبر" حالان مترادفان من فاعل "يَمُدّ" أي: يمد يديه قائلًا: يا رب، وقوله: "ومطعمه، ومشربه، وملبسه، وغُذِي" حال من فاعل "قائلًا"، وكلُّ هذه الحالات دالّة على غاية استحقاق الداعي للإجابة، ودلّت تلك الخيبة على أن الصارف قويّ، والحاجز مانع شديدٌ. انتهى (?).
وتعقّبه القاري في قوله: "وكل هذه الحالات ... إلخ " بأنه توسع؛ لخروج مطعمه إلخ، فإنها حالات دالة على استحقاق الداعي عدم الإجابة، كما قال: "فَأنَّى يُستجاب له" (?).
(يُطِيلُ السَّفَرَ) أي: زمانه، ويُكثر مباشرته، في العبادات، كالحجّ، والعمرة، والجهاد، وتعلم العلم، وسائر وجوه الخيرات.
فجملة: "يُطيل السفر" محلها نصب صفة لـ "الرجل"؛ لأن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة بمنزلة النكرة، كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وكقوله [من الوافر]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) حالان متداخلان، أو مترادفان من فاعل "يُطيل"، وما يتلوهما من الأحوال كلّها متداخلات، فقوله: (يَمُدُّ) بفتح أوله، وضم ثالثه، من المذ ثلاثيًّا حال من ضمير "أشعث" (يَدَيْهِ) أي: حال كونه مادًّا يديه، رافعًا لهما (إِلَى السَّمَاءِ) وقوله: (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) مكرّرًا، حال من فاعل "يمُدّ"؛ أي: يمُدّ يديه قائلًا: يا ربّ يا ربّ.