وحار الملك الكامل في الموقف الذي يجب أن يتخذه من الإمبراطور لأنه هو الذي دعاه إلى الشام، وألح عليه في المجيء إليها ليناصره على أخيه المعظم، واعداً إياه بقسم من أملاك هذا الخصم، فلما وصل إليها لم يعد في حاجة إلى مساعدته لأن المعظم كان قد توفي، وغدت الأملاك الموعودة جزءاً من مملكته وأصبح من واجبه أن يدافع عنها، إن لم يكن بعامل الرغبة في المحافظة عليها فبعامل الحفاظ على سمعته أمام جماهير المسلمين يصف ابن واصل الموقف فيقول: تحير الملك الكامل، ولم يمكنه دفعه ولا محاربته، لما كان تقدم بينهما من الإتفاق، فراسله ولاطفه ويبدو أن الكامل أحس بأنه ليس من مصلحته ولا مصلحة البيت الأيوبي أن يصطدم بالصليبيين بالشام في تلك المرحلة التي تعرض فيها لتهديد الخوارزمية ومن ورائهم المغول، فأراد أن يطيل أمد المفاوضات بينه وبين فردريك والمعروف أن الهدنة التي تمت عقب جلاء الصليبيين عن مصر لا ينتهي أجلها إلا في نهاية 626هـ/1229م وأدرك الأمبراطور أن موقف الملك الكامل أصبح على غير ما كان ينتظر ولكن ما العمل؟ وهو الذي خرج من بلاده محروماً من الكنيسة، مغضوباً عليه من البابوية، معتمداً على وعد الكامل به بإعطائه بيت المقدس لاستعادة نفوذه في أوروبا، ولو كان الأمبراطور يعلم أن الكامل سينكث بوعده لما خرج إلى الشرق أصلاً أو لكان استقدم معه جيشاً قادراً على الغزو والحرب ضد المسلمين، أما الآن فإن عدد جنوده لا يزيد على خمسمائة فارس وهو لا يعتمد على أية مناصرة من القوى الصليبية في الشام، لأن هذه القوى تأبى القتال تحت لواء محروم من الكنيسة مطرود من رحمتها، أما إذا عاد إلى أوروبا بدون أن يحقق أي انتصار، فإنه سيعطي خصومه، وبالأخص بالبابوية سلاحاً قوياً للسخرية منه والتشهير به، فالمسألة بالنسبة إليه إذن: كانت تعني مستقبل عرشه في الغرب الأوروبي ومصير المعركة بينه وبين البابوية (?)،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015