فإنه صلى الله عليه وسلم كان لشدة حرصه على هداية الناس يكرر دعوة الممتنعين على الإيمان ولا يرجع عنها، فكان في معرض من ظن أنه يملك مع صفة الإنذار إيجاد الشيء فيما يمتنع قبوله إياه1 أو قلبًا كقوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي أنتم بشر لا رسل، نزلوا المخاطبين منزلة من ينكر أنه بشر، لاعتقاد القائلين أن الرسول لا يكون بشرًا مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة2، وأما قوله تعالى حكاية عن الرسل: {إنْ نَحْنُ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] ، فمن مجاراة الخصم للتبكيت والإلزام والإفحام، فإن من عادة من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلامه على وجهه، كما إذا قال لك من يناظرك "أنت من شأنك كيت وكيت"، فتقول: نعم أنا من شأني كيت وكيت ولكن لا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم، فالرسل عليهم السلام.