المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالقضاء والقدر.

تمهيد:

جاء الإيمان بالقضاء والقدر في القرآن الكريم واضحاً، وشرحه النبي - صلى الله عليه وسلم - أتم الشرح، وتلقاه الصحابة عنه، فكانوا -رضوان الله عليهم- أعظم الناس فهماً لحقيقة الإيمان بالقدر، فأثر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا أشجع الناس، وأكرمهم، وأتقاهم.

ثم دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، ودخلت الفلسفات اليونانية، والهندية، وعقائد اليهود المحرفة، والنصارى الزائغة، إلى بلاد المسلمين، فظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، ووقع أول شرك في الأمة، وهو نفي القدر.

ومما لا شك فيه: أن باب القدر من علوم الغيب، لذا فقد حار النظار، والعقلاء قديماً وحديثاً في شأنه، وفي فهم حقيقته، فلم يصلوا إلى اليقين والصواب؛ ذلك لأنهم التمسوا الهدى في غير مظانه، فحاروا، وحيروا، وتعبوا، وأتعبوا، فـ"كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله" (?).

وقد وفق الله سبحانه وتعالى أهل السنة والجماعة لفهم هذا الباب، وذلك لاتباع ما جاء في الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفهم هذا الباب على وجه التفصيل فهماً صحيحاً -إلا كما فهمه أهل السنة والجماعة- سلف هذه الأمة الصالح، وإذا نظرت إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - انتظم العقد في هذا الباب، وظهرت ملامح الوسطية فيه، وسلمت من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما تجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة ترشدنا إلى أبواب يستطيع العقل البشري أن يجول فيها (?)، وتنهانا عن أمور يستحيل العقل أن يصل إليها (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015