والشواهد على هذا النحو كثيرة جدا؛ فلو كانت هذه النون مخففة من الثقيلة لما كانت تتغير في الوقف، ألا ترى أن نون "إن" و"لكن" المخففتين من إنَّ ولكنَّ الثقيلتين؛ لما كانتا مخففتين من الثقيلتين لم تتغيرا في الوقف عما كانتا عليه في الوصل؛ فلما تغيرت النون الخفيفة في الوقف دلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة، يدل عليه أن النون الخفيفة تحذف في الوقف إذا كان ما قبلها مضموما أو مكسورا، تقول في الوصل "هل تَضْرِبُنْ زيدا، وهل تَضْرِبِنْ عمرًا" فإن وقفت قلت "هل تضربون، وهل تضربِيِنْ" فتردُّ نون الرفع التي كنت حذفتها للبناء؛ لزوال ما كنت حذفت من أجله، ولو كانت مثل نون "إنْ، ولكنْ" المخففتين من الثقيلتين لما جاز أن تحذف، يدل عليه1 أنَّ النون الخفيفة إذا لقيها ساكن حذفت، تقول في "اضْرِبَنْ يا هذا" إذا وصلتها: اضْرِبَ القَوْمَ2، فتحذف النون ولا تحركها لالتقاء الساكنين، ولو كانت مخففة من الثقيلة مثل "إنْ، ولكنْ" لما كان يجوز أن تحذف؛ فدلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة وأنها بمنزلة التنوين، وإنما وجب حذفها ههنا، بخلاف التنوين؛ لأن نون التوكيد تدخل على الفعل والتنوين يدخل على الاسم، والاسم أصل للفعل، والفعل فرع عليه؛ فجعل ما يدخل على الاسم الذي هو الأصل أقوى مما يدخل على الفعل الذي هو الفرع؛ فلهذا المعنى حذفت النون لالتقاء الساكنين ولم يحذف التنوين، على أنه قد قرأ بعض أئمة القراء: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فحذفت التنوين من {أَحَدٌ} لالتقاء الساكنين، وقرأ أيضًا بعض القراء {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يّ-س: 40] فحذف التنوين من {سَابِقُ} لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا نصب {النَّهَارِ} ؛ لأنه