وخَلَّتْ عن أَوْلَادِهَا المرضعاتُ ... ولم تَرَ عينٌ لمُزْنٍ بِلَالَا
بأنك الربيعُ وغيثٌ مريعٌ ... وقِدْمًا هناك تكون الثَّمَالَا
أراد بأنّك بالتشديد، إلا أن الاستدلال على إعمالها في المضمر مع التخفيف
عندي ضعيف؛ لأن ذلك إنما يجوز في ضرورة الشعر لا في اختيار الكلام إلا في رواية شاذة ضعيفة غير معروفة فلا يكون فيه حجة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما عملت لشبه الفعل لفظًا؛ فإذا خففت زال شَبَهها به فبطل عملها" قلنا: هذا باطل؛ لأن إن إنما عملت لأنها أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى؛ وذلك من خمسة أوجه، وقد قدمنا ذكرها في موضعها فإذا خففت صارت بمنزلة فعل حُذِفَ منه بعض حروفه، وذلك لا يبطل عمله، ألا ترى أنك تقول: "عِ الكلام، وشِ الثوب، وَلِ الأمْرَ" وما أشبه ذلك، ولا تُبْطِلُ عمله؛ فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إن إن المشددة من عوامل الأسماء، وإن المخففة من عوامل الأفعال" قلنا: هذا الاستدلال ظاهر الاختلال، فإنا إذا قدرنا أنها مخففة من الثقيلة؛ فهي من عوامل الأسماء، وإذا لم نقدر أنها مخففة من الثقيلة؛ فليست من عوامل الأسماء، وإن الخفيفة في الأصل غير إن المخففة من الثقيلة؛ لأن تلك الخفيفة من عوامل الأفعال، وهذه المخففة من الثقيلة من عوامل الأسماء، ولم يقع الكلام في إن الخفيفة في الأصل، وإنما وقع في إن المخففة من الثقيلة، وقد بيَّنَّا الفرق بينهما، والله أعلم.