الوجه الرابع: أن عمر - رضي الله عنه - كان مجتهداً في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر) (?) ، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.

وأما قوله: إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.

فجوابه: (أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا، قال تعالى: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ} (?) ، وقال تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} (?) ، فلو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيا من حيي عن بينة.

فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما

تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية

وابن حجر -رحمهما الله-. (?) وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولاً، ثم تركه له بعد

طور بواسطة نورين ميديا © 2015