{حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} قد قرئ بالتثنية في ضمير الفاعلين1 {قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} فعبر عن قوله: حشرناهما وبعثناها، بأنهما جاء وهذا كقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} 2، وكقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} 3. فلو كان ابتداء اتخاذ الشيطان إنما كان في النار لما جمع بينهما في المجيء، وأيضاً فإن خَلَقَ الله القرين معه ابتداءاً في النار، فكيف يعذب القرين على غير ذنب كان منه في الدنيا؟ وهذا لا يجيء على أصل القدرية4، ولأنه قال: {فَبِئْسَ الْقَرِينُ} ومعناه فبئس القرين كنت في الدنيا.
والوجه الرابع: مما يدل على ما قلناه قوله تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} 5. فأخبر أنهم كانوا ظالمين في الدنيا، والمعنى ولن ينفعكم إذ ظلمتم الناس بأنكم في العذاب مشتركون، لأنكم مختلفون في العذاب6 لأن المبتلى في الدنيا إذا رأى من ابتلى بمثل بلائه تأسى به وسكن منه بعض ما هو فيه7، قالت الخنساء8:
فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي