قال أبو حنيفة: هذا منه - صلى الله عليه وسلم - تصرُّفٌ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُحييَ أرضاً إِلا بإذنِ الإمام، لأن فيه تمليكاً، فأشبَهَ الِإقطاعات، والِإقطاعُ يَتوقَّفُ على إِذن الإِمام، فكذلك الإِحياء.
وقال مالك والشافعي: هذا مِن تصرُّفِهِ - صلى الله عليه وسلم - بالفُتيا، لأنه الغالبُ من تصرُّفاته - صلى الله عليه وسلم - فإِنَّ عامَّة تصرفاته التبليغُ، فيُحمَلُ عليه، تغليباً للغالبِ الذي هو وضْعُ الرسل - عليهم السلام -. فعلى هذا: لا يَتوقَفُ الِإحياءُ على إِذن الإِمام، لأنها فُتيا بالِإباحة كالاحتطاب والإحتشاش، بجامعِ تحصيلِ الأملاك بالأسباب الفعلية.
وأمَّا قولُ مالك: ما قَرُبَ من العُمْران لا بُدُّ فيه من إِذن الإِمام، فليس لأنه تصرُّف بطريق الِإمامة، بل لِقاعدةٍ أخرى، وهي أنَ إِحياءَ ما قَرُبَ يَحتاجُ إِلى النظر في تحريرِ حَرِيم البَلَد، فهو كتحرير الإعسار في فَسْخ النكاح، وكلُّ ما يَحتاجُ لنظرٍ وتحريرٍ فلا بُدَّ فيه من الحُكَّام.