" يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَأْيِيدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَعَنْ تَثْبِيتِهِ إِيَّاهُ، وَعِصْمَتِهِ لَهُ مِنْ شَرِّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدِ الفُجَّارِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُتَوَلِّي أَمْرَهُ وَنَصْرَهُ، فَقَدْ حَاوَلَ المُشْرِكُونَ فِتْنَتَهُ عَمَّا أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، لِيَفْتَرِيَ عَلَى اللهِ غَيْرَهُ، وَهُوَ الصَّادِقُ الأَمِينُ، فَقَدْ سَاوَمُوهُ عَلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ رَبَّهُ، مُقَابِلَ أَنْ يَتْرُكَ التَّنْدِيدَ بِآلِهَتِهِمْ، وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ. وَسَاوَمُوهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لِبَعْضِ كُبَرَائِهِمْ مَجْلِساً غَيْرَ مَجْلِسِ الفُقَرَاءِ، وَلَوْ أَنَّهُ رَضِيَ مُسَايَرَتِهِمْ فِيمَا أَرَادُوا لاتَّخَذُوهُ خَلِيلاً، وَلَكَفُّوا عَنْ إِيذَائِهِ وَتَكْذِيبِهِ.
وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى ثَبَّتَ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -،وَعَصَمَهُ عَنِ الانْحِرَافِ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وَلَوْلاَ عِصْمَةُ اللهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ لَرَكَنَ إلَى الكُفَّارِ بَعْضَ الشَّيءِ. وَالانْحِرَافُ الطَّفِيفُ فِي أَوَّلِ الطَّرِيقِ يَنْتَهِي إِلَى الانْحِرَافِ الكَامِلِ فِي نِهَايَتِهِ.
وَلَوْ أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - رَكَنَ إِلى الكُفَّارِ، وَلَوْ قَلِيلاً، لَعَاقَبَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ الرُّكُونِ بِإِذَاقَتِهِ عَذَابَ الدُّنْيا، وَعَذَابَ الآخِرَةِ مُضَاعَفَيْنِ، وَبِإِفْقَادِهِ المُعِينَ وَالنَّصِيرَ. وَلأَنَّ الرَّسُولَ العَظِيمَ قُدْوَةٌ لِلمُؤْمِنِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ، فَأَيُّ تَصَرُّفٍ مِنْهَ يُتَابِعُهُ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ، وَيَتَّخِذُونَهُ سُنَّةً.
وَلَمَّا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ إِمْكَانِ اسْتِدْرَاجِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الانْحِرَافِ بِالدَّعْوَةِ عَمَّا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَيْهِ، أَرَادُوا أَنْ يُزْعِجُوهُ، وَيَسْتَخِفُّوهُ (يَسْتَفِزُّونَكَ)،لِيُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَّةَ (مِنَ الأَرْضِ)،فَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى بَنِي هَاشِمَ، وَأَلْجَؤُهُمْ إِلَى الشُّعَبِ ثَلاَثَ سِنِينَ. وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مُهَاجِراً، لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَنْ يُهْلِكَ قُرَيْشاً بِالإِبَادَةِ. وَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً أَخْرَجَتْ رَسُولَ اللهِ عَنْوَةً وَقَسْراً، لَحَلَّ بِهِمُ الهَلاَكُ (وَإِذَا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَ قَلِيلاً)." (?)
فثبات الدعوة على عقيدتها وقضيتها، وعدم استعجالها للوصول إلى أهدافها، على حساب مبادئها، وعدم سهولة استفزازها من قبل أعدائها لقطع الطريق عليها، كل ذلك من أهم أسباب قوتها ونصرها.