نُزُولِهَا، بَلْ صَرَّحَتْ بِإِبَاحَتِهِمَا بِمُقْتَضَى الْحَصْرِ الصَّرِيحِ بِالنَّفْيِ فِي لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ وَالْإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً فَتَحْرِيمُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ زِيَادَةٌ نَاسِخَةٌ ; لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ تَحْرِيمًا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى نَفْيِهِ.
وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا النَّصُّ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، زِيَادَةُ تَغْرِيبِ الزَّانِي الْبِكْرِ عَامًا بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى آيَةِ الْجَلْدِ، وَزِيَادَةُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى آيَةِ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ الْآيَةَ. وَزِيَادَةُ الطَّهَارَةِ، وَالسَّتْرِ الَّتِي بَيَّنَّا أَدِلَّتَهَا عَلَى آيَةِ: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22 \ 29] وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ إِلَى مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْسَ نَسْخًا كُلُّ مَا أَفَادَا ... فِيمَا رَسَا بِالنَّصِّ الِازْدِيَادَا
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ [6 \ 145] ، وَبَيَّنَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ جَوَازُ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ إِذَا عُلِمَ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ، وَبَيَّنَّاهَا أَيْضًا فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ الْآيَةَ [16 \ 101] . وَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا هُنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: اعْلَمْ أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْحَجِّ الْمُفْرَدِ وَالْقِرَانِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: طَوَافُ الْقُدُومِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ: وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ.
أَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِمَا الْعُلَمَاءُ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، إِلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ: وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ: سُنَّةٌ، وَلَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، وَاسْتَدَلَّ لِوُجُوبِ الْقُدُومِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْنَا بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الطَّوَافُ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَاسْتَدَلَّ لِعَدَمِ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، بِتَرْخِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَائِضِ فِي تَرْكِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِدَمٍ وَلَا شَيْءٍ، قَالُوا: فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِجَبْرِهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَمِنْ حُجَجِهِمْ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ أَنَّهُ تَحِيَّةٌ، فَلَمْ يَجِبْ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ، يَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ