أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بِلَفْظِ: «وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» يَدُلُّ فِيهِ مَسْلَكُ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مِنَ الطَّوَافِ كَوْنُهُ عُرْيَانًا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِلطَّوَافِ كَمَا تَرَى.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: وُجُوبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِلطَّوَافِ يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [7 \ 31] . وَإِيضَاحُ دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِلطَّوَافِ يَتَوَقَّفُ أَوَّلًا عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ.
الْأُولَى مِنْهُمَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِسَبَبِ النُّزُولِ، أَنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَالَ الْعَلَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي طَلْعَةِ الْأَنْوَارِ:
تَفْسِيرُ صَاحِبٍ لَهُ تَعَلُّقُ ... بِالسَّبَبِ الرَّفْعُ لَهُ مُحَقَّقُ
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ:
وَعُدَّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِي ... رَفْعًا فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَسْبَابِ
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ: فَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [7 \ 31] أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي ثَوْبًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا السَّبَبِ: يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الْآيَةَ [7 \ 31] .