الْحَاجِبِ، وَالْعَضُدُ، وَالرَّهُونِيُّ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ طَوَافَ الْأَشْوَاطِ كُلِّهَا لَيْسَ نَاسِخًا لِلْمَشْيِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَأَنَّ صِيغَةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِيهَا الْأَقْوَالُ الْمَارَّةُ قِيلَ: كُلُّ صُورَةٍ بَعْدَ أُخْرَى، فَهِيَ نَاسِخَةٌ لَهَا، وَقِيلَ: كُلُّهَا صَحِيحَةٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقِيلَ: بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَ صُوَرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ وَاحِدٌ، فَالتَّخْيِيرُ.
وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
وَلَمْ يَكُنْ تَعَارُضُ الْأَفْعَالِ ... فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ
وَإِنْ يَكُ الْقَوْلُ بِحُكْمٍ لَامِعًا ... فَآخِرُ الْفِعْلَيْنِ كَانَ رَافِعًا
وَالْكُلُّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ صَحِيحُ ... وَمَالِكٌ عَنْهُ رُوِي التَّرْجِيحُ
وَحَيْثُمَا قَدْ عُدِمَ الْمَصِيرُ ... إِلَيْهِ فَالْأَوْلَى هُوَ التَّخْيِيرُ
وَقَالَ صَاحِبُ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ:
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، وَصَرَّحَ الرَّهُونِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ سَوَاءٌ تَمَاثَلَ الْفِعْلَانِ، أَوِ اخْتَلَفَا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِذْ لَا يَقَعُ فِي الْأَعْيَانِ، إِلَّا مُشَخَّصًا فَلَا يَكُونُ كُلِّيًّا حَتَّى يُنَافِيَ فِعْلًا آخَرَ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فِي وَقْتٍ مُبَاحًا فِي آخَرَ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْفِعْلِ قَوْلٌ: يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، وَرَأَوْهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَقَالَ الْأَبْيَارِيُّ: هَذَا كَاخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِيقَاعُهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي: وَلِلشَّافِعِيِّ مَيْلٌ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَالرَّمَلُ: مَصْدَرُ رَمَلَ بِفَتْحِ الْمِيمِ يَرْمُلُ بِضَمِّهَا رَمَلًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَرَمَلَانًا: إِذَا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ وَهَزَّ مَنْكِبَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَنْزُو؛ أَيْ: لَا يَثِبُ، وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ:
نَاقَتُهُ تَرْمُلُ فِي النِّقَالِ ... مُتْلِفُ مَالٍ وَمُفِيدُ مَالِ
ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل وفي بعضها خب، والمعنى واحد.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ يُسَنُّ فِي الطَّوَافِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ