الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ.

فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ أَحَادِيثَ السَّعْيَيْنِ، وَالطَّوَافَيْنِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ قَائِمٌ كَمَا رَأَيْتَ، فَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا، وَيَسْعَى سَعْيًا كَفِعْلِ الْمُفْرِدِ، أَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ.

الْأَوَّلُ: هُوَ مَا بَيَّنَاهُ الْآنَ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ الزَّيْلَعِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَابْنِ الْقَيِّمِ، عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَوْجُهِ ضَعْفِهَا.

وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّ بَعْضَهَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَضِعَافُهَا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، فَلَا يَقِلُّ مَجْمُوعُ طُرُقِهَا عَنْ دَرَجَةِ الْقَبُولِ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، وَأَصَحُّ، وَأَرْجَحُ، وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَفْعَلْ فِي قِرَانِهِ. إِلَّا كَمَا يَفْعَلُ الْمُفْرِدُ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَكَالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: «يَكْفِيكِ طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاضِحًا، وَقَدِ اتَّضَحَ مِنْ جَمِيعِ مَا كَتَبْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ التَّحْقِيقَ فِيهَا أَنَّ الْقَارِنَ يَفْعَلُ كَفِعْلِ الْمُفْرِدِ لِانْدِرَاجِ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَطُوفُ، وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجَّتِهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى أَنَّهُ يُهِلُّ بِالْحَجِّ بِالْإِجْمَاعِ.

وَالْحَجُّ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ دُخُولًا مَجْزُومًا بِهِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، فَلَوْ كَانَ يَكْفِيهِ طَوَافُ الْعُمْرَةِ الَّتِي حَلَّ مِنْهَا وَسَعْيُهَا، لَكَانَ إِهْلَالُهُ بِالْحَجِّ إِهْلَالًا بِحَجٍّ، لَا طَوَافَ فِيهِ وَلَا سَعْيَ، وَهَذَا لَيْسَ بِحَجٍّ فِي الْعُرْفِ وَلَا فِي الشَّرْعِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ صِفَةَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ هِيَ أَنْ يَبْتَدِئَ طَوَافَهُ مِنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، فَيَسْتَقْبِلَهُ، وَيَسْتَلِمَهُ، وَيُقَبِّلَهُ إِنْ لَمْ يُؤْذِ النَّاسَ بِالْمُزَاحَمَةِ، فَيُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ فَيَمُرَّ جَمِيعُ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ، وَذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفٍ الْحَجَرِ، وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ جُزْءٌ مِنَ الْحَجَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مَارًّا بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ، جَاعِلًا يَسَارَهُ إِلَى جِهَةِ الْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي طَائِفًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمُرُّ وَرَاءَ الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَيَدُورُ بِالْبَيْتِ. فَيَمُرُّ عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ طَوَافَهُ، فَتَتِمُّ لَهُ بِهَذَا طَوَافَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015