وَقَالَ صَاحِبُ تَدْرِيبِ الرَّاوِي: أَمَّا مَا عَزَاهُ الْبُخَارِيُّ لِبَعْضِ شُيُوخِهِ بِصِيغَةِ: قَالَ فُلَانٌ، وَ: زَادَ فُلَانٌ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ التَّعْلِيقِ عَنْ شُيُوخِ شُيُوخِهِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَنْعَنَةِ مِنْ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ اللِّقَاءِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ قِسْمًا مِنَ التَّعْلِيقِ ثَانِيًا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ: وَقَالَ فُلَانٌ، وَزَادَ فُلَانٌ، فَوَسَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ هَاهُنَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ فَجَعَلَ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّعْلِيقِ: قَالَ عَفَّانُ كَذَا، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ كَذَا، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ. وَالَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَالْمِزِّيِّ، أَنَّ لِذَلِكَ حُكْمَ الْعَنْعَنَةِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هُنَا: وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَمدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِالْبُخَارِيِّ: كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ لِي فُلَانٌ أَوْ قَالَ لَنَا فُلَانٌ، فَهُوَ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَالنَّيْسَابُورِيُّ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَيْرِيِّ فِي قَوْلِ الْعِرَاقِيِّ فِي أَلْفِيَّتِهِ.
وفي البخاري قال لي فجعله ... حيريهم للعرض والمناولة
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ مَعَ سَمَاعِهِ مِنْهُ لِغَرَضٍ غَيْرِ التَّعْلِيقِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْمَعَازِفِ الْمَذْكُورِ نَاقِلًا عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ الْحَافِظِ فِي رَدِّ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ قَائِلًا: قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فِيمَا بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَهِشَامٍ، وَجَعَلَهُ جَوَابًا عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ فِي وُجُوهٍ. وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ، وَالْبُخَارِيُّ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ. انْتَهَى مِنْهُ.
وَكَوْنُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُعَبِّرُ بَـ «قَالَ فُلَانٌ» لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ التَّعْلِيقِ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْجَزْمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، دَعْوَى لَمْ يُعَضِّدْهَا دَلِيلٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي