عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى الْإِفْرَادِ بِالْقَادِحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْأُصُولِ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، فَيَقُولُونَ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا مَعَ بَقَاءِ نِزَاعِنَا فِي أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ عَلَى الْإِفْرَادِ ; لِأَنَّ قِرَانَهُ وَأَمْرَهُ أَصْحَابَهُ بِالتَّمَتُّعِ، لَمْ يَكُنْ لِأَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فِي حَدِّ ذَاتَيْهِمَا عَلَى الْإِفْرَادِ، بَلْ هُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، وَإِنْ كَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَفْضُولَ أَوِ الْمَكْرُوهَ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَانَ أَفْضَلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَدِلَّةَ مَنْ قَالَ بِهَذَا كَحَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ فِي السُّنَنِ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّكْبِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَثَبَتَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْآثَارَ وَالْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُمْ مُخَالِفَةً لِذَلِكَ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا مَعَ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، الْقَاضِيَةِ بِخِلَافِهَا، فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّ الْقِرَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَتُّعَ الْوَاقِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَمْرِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَا لِأَجْلِ بَيَانِ الْجَوَازِ، فَاللَّازِمُ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعِيَّةُ أَفْضَلِيَّتِهِمَا بَاقِيَةً كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ لِسَبَبٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّةَ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُضْعِفْهُمْ مَرَضٌ، وَمَعَ كَوْنِ ذَلِكَ لِهَذَا السَّبَبِ فَمَشْرُوعِيَّةُ سُنِّيَّتِهِ بَاقِيَةٌ، فَلْيَكُنْ قِرَانُهُ وَتَمَتُّعُ أَصْحَابِهِ بِأَمْرِهِ لِذَلِكَ السَّبَبِ كَذَلِكَ.

فَالْجَوَابُ: أَنَّ الرَّمَلَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، بَلْ ثَبَتَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَهُوَ رَمَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ، وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ الْمَذْكُورَانِ وَرَدَتْ فِيهِمَا أَدِلَّةٌ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهِمَا بِذَلِكَ الرَّكْبِ كَحَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مُنَاقَشَةَ مَنْ ضَعَّفَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ بِلَالٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ مَجْهُولٌ، وَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفٌ.

وَبِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَوَاطَئُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فِي نَحْوِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى إِفْرَادِ الْحَجِّ مُتَعَمِّدِينَ لِمُخَالَفَةِ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ حَاضِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ وَمُقْتَضَاهَا:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015