بشارة النصر إذا ما تم الصبر على الحق ...

بعد هذه الرحلة يأتي المشهد الثالث بالانطلاقة نفسها مبتدئا بالواو ليؤكد على الرابط الروحي والوجداني والمصيري بين الأقطاب الثلاث وليؤكد الرابط الوثيق بين المشاهد على اعتبار أنها تمثل وحدة متكاملة على المستوى اللغوي والتركيبي وعلى المستوى النفسي والواقعي وعلى المستوى الموضوعي .. فهذا الرابط الذي يحيل لغويا / نحويا على ما سبق في القصيدة نجده يجمع بين الشاعر والدعاة والأمة ـ الأقطاب الثلاث ـ ويستمد قوة الربط من ياء النسب الدالة على الشاعر والمضافة مرة إلى الإخوة ومرة إلى الأمة: وأمتي من حولكم يا إخوتي .. مما يجعل العلاقة الحميمية تلك ثلاثية الأبعاد بشكل دائري انطلاقا من العلاقة الرياضية التالية:

الشاعر -------------- الإخوة

الإخوة -------------- الأمة

الشاعر-------------- الأمة

الشاعر

إخوتي أمتي

فالأمة تلتف حول الإخوة والإخوة يجاهدون من أجل الأمة والشاعر يباركهم ويفخر بهم ويحثهم على الاستمرار في طريق الحق ويوضح علامات الضعف الذي تنتابهم بين الحين والآخر كما يرسم لهم الخطوات المنجيات ..

إن هذه الأمة تراقب الوضع الذي آلت إليه المدينة وتطل من خلف التلال ولكن لماذا استعمل الشاعر لفظة التلال بدل الجبال مثلا؟

لأن التلال كائن طبيعي متحرك لا يمكن أن يستقر على حال ولا أن يطول عليه الزمان صامدا فكل ريح هبت إلا وسوته لتحدث تلالا أخرى في أماكن أخرى، فهل تغير الأمة هي الأخرى مواقعها مع التلال كي تبقى دائما خلف ما يحجبها ويسترها وهي تتفرج على مصير غيرها؟ ..

إن هذه الأمة لتراقب الحال وتشاهد المآل وتتابع تطور الأحداث ولكن طبيعة تكوين وتربية هذه الأمة تأبى أن تبقى الحال على ما هي عليه فوجودها واختيارها للترقب خلف التلال موقف يصور هشاشة الاختيار وظرفيته تماما كهشاشة وظرفية التلال كما يصور عدم اقتناع الأمة بهذا الخيار وعدم تمكن مبدإ الهزيمة من نفسها وعدم انسلاخها عن أصولها وعدم ابتعادها عن جذورها وعدم موتها قابعة في صمتها وغربتها وإلا لكان الاختيار اللاشعوري للفظة "الجبال" حائلا وساترا أولى من اختيار "التلال" ..

إن الإيمان بظرفية الاختيار وهشاشته هو الذي دفع الشاعر إلى إعلان هذه الرسالة الشعرية يتوخى من خلالها تحريك الهمة في الأمة التي ينتمي إليها وإيقاظها من سباتها وتعزيز حب قيادة سفينة هذه المدينة إلى بر الأمان وتذكيرها بما أصاب الأقوام / المدن من قبلها من نكال ووبال حتى تستوعب المثال وتنهض من كبوتها وتنفض عن نفسها غبار الزمن الهش الذي حام حولها ردحا من الزمن أنساها فيه ذكر ربها وتتحرك نحو العالم الفسيح الذي هو في انتظار قومتها والذي يصبو إلى تلك المدينة الفاضلة فيتمتع فيها بالأمن والأمان والإيمان والحماية من كل بلايا ورزايا الزمان ..

ويتوجه الشاعر إلى أمته والتي هي أمة إخوته بأسئلة استنكارية يحدد من خلالها مواطن الداء والوهن ويرسم طرق العلاج والدواء بأسلوب وعظي تتخلله لمسات شاعرية عالية النبرة لو ألقيت في حفل شعري على ومسمع من الأمة لفعلت فعلها في الأنفس

ووصلت إلى الأعماق لتخرجها من الاكتفاء بالملاحظة والمراقبة والمشاهدة والحوقلة وإذراف الدموع وكتابة البيانات والاحتجاجات

والسباحة في الخيال والبكاء على بقايا الأطلال فهي أمة تفيض بالعطاء دونما سؤال وما دامت تفيض فهي لا تحتاج إلى السؤال .. فلماذا تكتفي بمقعد الذين يفهمون من الحوقلة ظاهرها ويعتمدون ترديدها باللسان دون استيعابها بالوجدان وجعلها من السنان لإثبات الذات والكيان ..

هذه الأمة ليست من أولئك المحوقلين ولكنها جالستهم وسمعت منهم ورضيت قولهم وفعلهم حتى تأثرت بهم كما خاضت وجالت في المدينة ونسيت قول ربها سبحانه: p .. بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرهم إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا .. i ( سورة: النساء الآية:139) ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015