ـ[مجد الاسلام]ــــــــ[03 - 08 - 2005, 02:06 م]ـ
قصة بعنوان: " قطرة ماء "
بقلم الشقية: مجد الاسلام
نهارٌ من نوع جديد .. في ليلةٍ ظلماء حالكة السواد أسعفها بدرُ السماء مسدلاً ستار أشعته المنبثقة من عنان السماء .. أنارت الأرجاء وكأنه نهارُ ليلٍ متواصل ...
أخذتُ مكانيَ المعتاد على سطحِ منزلنا المسهمد .. ترقبتُ المكانَ جيدًا .. وبعد أن احتسيت فنجانًا من القهوة .. أبصرتُ السماء لأتأمل تلك المصابيح الصغيرة الملتحفة كبد السماء .. تحلق تعانق الهواء .. تتسابق فتلاحق بعضها إلى العلياء ..
خطفَ بصري مسار حركتها الخفية .. فأخذتُ أراقبها بتمعنٍ وروية ...
هذه تلاحق أخواتها .. وأخرى تسابقها ...
يا ترى .. أيُ واحدة يكون حليفها السباق؟ ..
هذه تختفي عن الأنظار .. ولازال السباق مستمرًا .. يا له من صراع .. وأيُ صراع!
مرَّ الوقتُ سريعا كلمح البصر .. فلم أشعر بحركة القطار المزعجة أو صرصرة الرِّياح العاتية ....
وجدتُ ذاكرتي تتقلب بين صفحات الماضي ...
غطستُ في بحر الذكريات .. أغوصُ بين أمواج التاريخ ... لأنتقي أجمل اللحظات التي عاشتها أيام طفولتي .. كم كنت أشاغب أخوتي .. حينها تذكرتُ أمي ... تناديني .. وأنا أختفي عن أنظارها بين هنا وهناك .. تلاحقني .. فأرسم لها بسمات طفولتي ..
تعقد جبينها وتقول: " هيا إلى النوم " ..
وتارة أخرى تنظرُ إليَّ بعينيها النجلاوين قائلة: " لقد حان موعد الدرس " .. وأنا أداري نفسي بزوايا وأبواب المنزل .. أتنقل من باب إلى باب .. ومن زاوية إلى أخرى .. تنهمُ عليَّ فتقول: " كفى بنيتي!!
.. تغضب قليلاً .. ومرة أخرى تعقد جبينها .. فأدع ابتسامتي لها ترتسم .. وسرعان ما أعقد جبيني .. فتبتسم ...
وكالمعتاد أغدو صباحًا إلى غرفتها لأطبع قبلتي المتواضعة على جبينها المنبسط .. وسرعان ما أختفي ...
كانت كثيرًا ما تردد هذه الكلمات على مسمعي ..
** شقيةٌ أنتِ بنيتي **
أجيبها وبكل صراحة وموضوعية ..
.. لأني أحبكِ ... وهل كلمة " أحبكِ " تكفي؟؟؟!!
هزيمُ الرعدِ يخترقُ أذني .. عدتُ إلى صوابي .. لكم كانت جميلةٌ تلك اللحظات .. لا زلتُ أحتفظ بها في ملف الذكريات ..
فنجانٌ آخر من القهوة أحتسيه .. ومن ثَمَّ تناولتُ صحيفتي اليومية .. أُقلبُ نظري بين صفحاتها واحدة تلو الأخرى .. أتصفح العناوين وأطالعها .. وبعد انتهيت .. قلبت الصفحة الأخيرة ..
هناك في وسط الصفحة صورة أطفال في مقتبل أعمارهم لا يتجاوزون العشرة أعوامٍ الأولى ...
صفَّر الجفاف وجوههم .. وقد جسَّد جفاف جلودهم عظامهم ...
أواااه!!
ما هذا؟ .. لا طعام .. لا ماء ... !
في حاشية الصورة مكتوب ...
ا. ف.ب تلتقط صورة لأطفال قد حرموا من قطرة ماء و ........
يا إلهي!!! .. لا عدتُ أرى .. ماذا حدث؟! ما هذا! ..
حلت الظلمة واختفى القمر .. ! أينَ ضياء البدر؟!
ربااااه!!
ما الذي أراه! .. أهي النهاية؟ أم بداية الحكاية!
لا أدري! .. ولكني أري غيمةٌ الآن ...
نعم إنها الغيمة .. ويا لها من غيمة .. أفقدتني صوابي ..
هزيم الرعد يسود الأجواء من جديد .. خطوط كهربائية تتسلل من بين الغيوم ترسل أشعتها الوامضة لتضيء المكان ..
قلت بدهشة!: " إنه المطر " ...
وسرعان ما تذكرت صورة الأطفال .. وكم يشفق قلبي عليهم .. ويهتزُ بدني لمنظرهم .. فأسرعتُ لإحضار كوب ماءٍ إليهم .. أحضرته .. فسكنت أنفاسي .. وهدئت دقات جناني .. لقد حلَّ الدفء بالمكان ..
إني أرى قطرات المطر تذرفها الغيوم .. لكم أنا سعيدةٌ الآن ...
أسرعتُ لأملأ الكوب بقطرات الماء .. قطيرة .. قطيرة ... فامتلأت الكوب حبيبات المطر ...
والآن .. إلى الأطفال لأبلَّ ريقهم الظمآن ..
يا للهول!! ... والخسارة!!! ...
ما لذي أرى؟! .. لقد ابتلت الصحيفة بالماء وجرت إلى حيثُ يجري الماء .. لحقتها .. ولكن ...
بلا جدوى .. ولا فائدة ...
يااالأسفي! .. والخَسارة ...
عدتُ مكسورة الخاطر .. عاقدة الجبين ...
نزلتُ السلم .. يحاصرني اليأس ...
وإذا بجارتِنا من أسفل السلم تناديني .. !!!
ساعديني .. ساعديني ...
لقد فرغ الماء من الحنفية .. وأنابيب المياه جفت بلا قطرة ماءٍ واحدة ...
وطفلي يصرخُ ظمآنًا .. ساعديني .. أرجوكي ...
انبسط وجهي فَرٍحًا .. رسمتُ لها ابتسامة صغيرة ..
همست .. والآن جاء دوري ...
خذي هذا الكوب .. وبلِّي به ريقَ طفلك الظمآن ..
هنيئًا لك .. فبه قطرة ماء ...
لا أدري كيف أمسكته؟!!! .. ولكنها سرعان ما جرت مهرولة إلى مبغاها .. واختفت عن الأنظار ...
عدتُ إلى قعرِ بيتنا المجاور حيث غرفتي الصغيرة .. وألقيتُ بنفسي على السرير .. فغفوت ...
وما أوقظني من غفوتي تلك .. إلا دقات طُرقت على باب منزلنا المتواضع ..
أدرتُ بصري في المكان (لا زال النهارُ متواصلاً) ..
فتحتُ الباب .. وإذا بجارتنا تخرجُ من فيها بصوتها الرنان تلك الكلمات ..
" شكرًا لك بنيتي ... "
قلت لها:
" اشكريني على أيِ شيء .. إلا قطرة ماء " ...
¥