اللّغة كائن حيّ ينهل من شتّى المناهل ... إذ تستمدّ اللغة دلالاتها وإيحاءاتها ـ ما كان حقيقيّا منها أو مجازيّا، عقلانيّا أو وجدانيّا ـ من سجلاّت متنوّعة تتّصل بالبيئة الطّبيعيّة والبشريّة، فاللّغة مقوّم إنسانيّ يؤثّر في المحيط ويتأثّر به ... إن هي إلاّ صدى للبيئة في أجلى مظاهرها الفكريّة والأدبيّة والعقائديّة ... كثيرا ما يكون ملفوظها ومُجَسِّمات معانيها وصورها التّعبيريّة نسيجا تعبيريّا مَحيكًا من مكوّنات هذه البيئة الطّبيعيّة والإجتماعيّة. والإبتداع اللّغوي بالضّرورة عمل ذهنيّ ولسانيّ دائم دوام الكائن الحيّ لا ينقطع ما ظلّت حاجاته تنمو واكتساحه للبيئة والطّبيعة من حوله يشتدّ ... هذا الفعل الإبتداعيّ في اللّغة ينهل حتما من مناهل تلك البيئة الطّبيعيّة والإجتماعيّة، إذْ منها ينحت المخيال اللّغوي صُوَرَه وحقوله الدّلاليّة. وتلك واحدة من مرجعيّات التّنوع والإختلاف بين اللّغات في سِجِلاّتها وأرصدتها وأنماطها التّعبيريّة والبلاغيّة.

وقد يذهب هذا المدى من التّفاعل بين اللّغة ومحيطها إلى حدٍّ التّكيّف مع أدقّ العناصر الطبيعيّة والجغرافيّة ... الأمثلة على ذلك عديدة، ونقف عند واحد من ملامح هذه الخصوصيّة يجسّم في طرافته حدًّا تستلهم فيه اللّغة تعابيرها من المناخ [في مفهومه الحقيقيّ لا المجازيّ]، ومُفاد هذا المثال:

يذهب الفرنسيّ في التّعبير عن الرّاحة بالخبر أو الحدث بعد العناء إلى القول: << O! Tu m'as réchauffé le coeur >> والتّعبيرهنا يستند إلى ما تجسّمه الحرارة من رمزيّة الإنتعاش والرّاحة في ذهن ووُجدان المتكلّم ضمن بيئة تغلب البرودة على مناخها.

لتجسيد المعنى ذاته، يذهب العرب بنو البيئة ذات الحرّ شبه الدّائم إلى التعبير عن هذا النبض من راحة النّفس بالقول:

" لقد أثلجت صدري " هذا التّقابل بل التّضادّ في مرجعيّة الصّورة وأداة التّعبير ورمزيتها بين اللّغتين في تجسيد المعنى ذاته، مردّه ذلك التّضارب بين ما هو مألوف من البيئة وما هو مَتُوق إليه من نقيض الحال في كُلٍّ من البيئتين يتردّد صداه في ضروب التّعبير لكُلّ من اللّغتين.

وإنّ إدراك مثل هذه الرّوافد والمرجعيّات للّغة عامل حاسم في إحكام زِمام الجهاز النّاقل بين اللّغات، نعني بذلك الترجمة ...........

فحتّى لا تكون التّرجمة ضربًا من" الخيانة " للّغة الأم، عملا بمقولة [ Traduire c'est trahir ] ولكي تكون التّرجمة نقلا وفيّا لدلالات اللّغة، لا غِنى للمترجم عن الإلمام بهذه الضّروب من الإختلاف في المرجعيّات الطّبيعيّة والإجتماعيّة لبييئة كُلٍّ من اللّغتين، المنقول منها والمنقول إليها، وأثرِ ذلك في حاجات قومها وما ينعكس منها على نوازعهم وأخيلتهم وبالتّالي على مخيالهم اللّغوي.

أحمد الدّبابي

أخبار المرصد:

المرصد يشارك في معرض البورجيه في باريس من 10 إلى 13 أبريل 2009

يعكف المرصد على إعداد برنامج نشاطاته في الدورة السادسة والعشرين للملتقى السنوي لمسلمي فرنسا بالبورجيه، شمالي باريس، والذي سينتظم في الفترة ما بين العاشر والثالث عشر من شهر أفريل 2009

ويعبّر فريق العمل بالمرصد عن سعادته بإستقبال قراء الأسبوعية والمتعاونين مع المرصد وكل المهتمين بشؤون اللغة العربية وتعليمها من زوار الملتقى في موقع المرصد بقاعة المعارض.

دورة تدريبية لمعلمي اللغة العربية في منطقة باريس يوم 1 ماي 2009،

تسعى لجنة الإشراف على الدورات التأهيلية بالمرصد إلى إعداد برنامج ومحاور الدورة التأهيلية المزمع تنظيمها في مطلع شهر ماي القادم حول موضوع إستعمال اللغة الوسيطة في تعليم اللغة العربية: دوافعها وحدودها. سنوافيكم بالتفاصيل في نشراتنا القادمة بحول الله.

أخبار عالمية:

.. وندوة في (مؤتة) حول اللغة العربية:

الكرك - نسرين الضمور - أوصى المشاركون في الندوة الحوارية التي أقامها قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة مؤتة حول ظاهرة ضعف الطلبة الجامعيين في اللغة العربية ... أسبابه وسبل معالجته بأجراء مراجعة شاملة للخطط الدراسية والكتب المقررة وانتقاء المناسب منها لغة ومضمونا وترتيبا وأسلوبا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015