•3 - والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة. فإن قيل: لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها، فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبه.
والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة، فإن البخاري قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول. ومسلم قال: ليس كل حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه. ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضدَّه.
والثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم، مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما - يعني أبا داود والنسائي- هذا كفعل الفقهاء، والله أعلم.
وقال الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة " (ص150) بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح: .. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي.
وقال أيضاً في (ص167): وأما أبو داود ومن بعده فهم متقاربون في شروطهم، فلنقتصر على حكاية قول واحد منهم، والباقون مثله، .. ثم ذكر كلام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة، ثم قال: وقد روِّينا عن أبي بكر بن داسه أنه قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله (ص) خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. وذكر تمام الكلام.
قال أبو عبيد الآجري: وكان أبو داود لا يحدث عن ابن الحماني، ولا عن سويد، ولا عن ابن كاسب، ولا عن محمد بن حميد، ولا عن سفيان ابن وكيع.
منهجه:
قد أبان أبو داود رحمه الله عن منهجه في كتابه"السنن"، في رسالته إلى أهل مكة، ويمكن أن يلخص منهجه في النقاط التالية:
•1 - يخرج أصح ما عرف.
•2 - يخرج الإسناد العالي وإن كان ضعيفا، ويترك الأصح لنزوله.
•3 - لم يورد في الباب إلا حديثا أو حديثين، طلباً للاختصار وقرب المنفعة.
•4 - لا يعيد الحديث إلا إذا كان فيه زيادة كلمة أو نحوها.
•5 - قد يختصر الحديث الطويل، لأنه لو كتبه بطوله لم يعلم من سمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه.
•6 - إذا لم يجد حديثاً مسنداً متصلاً في الباب فإنه يحتج بالمرسل (قال: وليس هو مثل المتصل في القوة)
•7 - لا يخرّج عن المتروك (المجمع على تركه).
•8 - يبين الحديث المنكر ويورده إذا لم يجد في الباب غيره.
•9 - ألفه على نسق واحد حسب ما اقتضاه نظره.
•10 - ما كان في كتابه من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بينه.
•11 - ما سكت عنه فهو صالح، وبعضه أصح من بعض.
قلت: ومما يمكن أن نضيفه مما ذكره السخاوي في "بذل المجهود في ختم سنن أبي داود" مع بعض الإضافات التي أضفتها:
•1 - أنه يورد الأحاديث على أحسن ترتيب وأبدع نظام، وقد أشبه صنيعه صنيع الإمام مسلم في الحرص على تمييز ألفاظ الشيوخ في الصيغ والأنساب، فضلاً عن ألفاظ المتون التي هي المقصود الأهم.
•2 - إذا روى عن الحارث بن مسكين يقول: قرئ عليه وأنا شاهد؛ لكونه لم يقصده بالإسماع. (رقم3288مثلا)
•3 - وإذا سمع من شيخٍ حديثاً وفاتته منه كلمة أو نحوها، كابن في الإسناد نبه على ذلك، وأن بعض أصحابه أفهمه إياها عن ذلك الشيخ.
•4 - ونحوه إذا سمع الحديث من شيخين له وكان له عن أحدهما أضبط، نبه عليه في أمثلة لذلك من هذا النمط.
¥