قال الإمام أبو داود في رسالته لأهل مكة: .. فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في " كتاب السنن"، أهي أصحُّ ما عرفتُ في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم. فاعلموا أنه كذلك كله، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقدمُ إسناداً، والآخر صاحبه أقومُ في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرةَ أحاديث ... وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى .. فإذا لم يكن مسندٌ ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يُحتجُّ به وليس هو مثل المتصل في القوة. وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديثٌ منكرٌ بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره ... وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذُكر لك عن النبي (ص) سنةٌ ليس مما خرجته، فاعلم أنه حديثٌ واه، إلا أن يكون في كتابي من طريقٍ آخر (1)، فإني لم أخرج الطرق، لأنه يكثر على المتعلم ... وما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهنٌ شديد فقد بينته (2)، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح (3)، وبعضها أصح من بعض ...
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
• (1) هذا الحصر منه رحمه الله ليس بجيد، فإنه لم يستوعب جميع الأحاديث الصحيحة
• (2) قال الذهبي معلقا على كلام أبي داود: قلت: فقد وفى - رحمه الله - بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه
شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر - أي غضَّ - عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته -والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذبا بين الضعف والحسن، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدا، سالما من علة وشذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا، يعضد كل إسناد منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه.
فمثل هذا يمشيه أبو داود، ويسكت عنه غالبا، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم.
قال ابن حجر في النكت: وفي قول أبي داود:"وما كان فيه وهنٌ شديد بينته" ما يفهم أن الذي يكون فيه وهنٌ غير شديد أنه لا يبينه.
• (3) مسألة ما سكت عنه أبو داود ستأتي لا حقاً.
قال صديق حسن خان في الحطة بعد نقله كلام أبي داود: واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع:
الأول: الصحيح، ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.
والثاني: شبهه، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره.
والثالث: ما يقاربه، ويحتمل أن يريد به الحسن لذاته.
والرابع: الذي فيه وهنٌ شديد.
وقوله: ما لا، يفهم منه الذي فيه وهنٌ ليس بشديد فهو قسم خامس.
فإن لم يعتضد كان صالحاً للاعتبار فقط، وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة للاحتجاج وكان قسماً سادساً. انتهى من حاشية البقاعي على شرح الألفية.
قال الإمام ابن طاهر المقدسي في "شروط الأئمة الستة" (ص88): وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
•1 - القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
•2 - والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج
أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح ...
قلت: قال الحافظ ابن حجر: المراد إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط .. فإذا أجمع أصحاب الطبقة الواحدة على ترك رجل ٍ تركاه، وإن اختلفوا فيه خرجا حديثه.
¥