•6 - تحريه فيما يرويه من الصحائف المشتملة على أحاديث تروى بإسناد واحد؛ كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، كما تقدم عند الكلام على منهجه. وقد أثنى العلماء على صنيع مسلم هذا، وفضلوه على البخاري في ذلك، فإن البخاري ليس له ضابط معين في إيراده للأحاديث من هذه الصحيفة ..
النقد الموجه إليه مع الرد عليه:
قال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم: (عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح، والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:
1 - أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال إن الجرح مقدم على التعديل ... لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسرا السبب فإنه لا يعمل به، ويحتمل أيضا أن يكون ذلك فيما بين فيه الجارح السبب واستبان مسلم بطلانه.
2 - أن يكون ذلك في الشواهد والمتابعات لا في الأصول.
3 - أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه؛ باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته. كما في أحمد بن عبد الرحمن الوهبي ابن أخي عبد الله بن وهب.
قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم بن الحجاج قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي وحاله قد ظهر فقال: إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.
4 - أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك. وقد نص هو على ذلك عندما عاب عليه أبو زرعة روايته عن مثل أسباط بن نصر وقطن بن نُسير وأحمد بن عيسى المصري وغيرهم فأجاب: إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات) 1.هـ مختصرا.
وكلام ابن الصلاح هذا منصب كله على الإجابة عن الطعن في الراوي.
وقال الشيخ ربيع بن هادي في خاتمة كتابه (بين الإمامين): (يمكن إرجاع انتقادات الدارقطني وتتبعاته للإمام مسلم إلى الأقسام الآتية:
•1 - انتقادات موجه إلى أسانيد معينه، فيبدي لها عللا من إرسال أو انقطاع أو ضعف راو أو عدم سماعه، أو مخالفته للثقات في أمر ما، ويتبين في ضوء الدراسة والبحث أنه غير مصيب فيما أبداه من علة، وهذا النوع من الانتقادات لا يكون له تأثير في متون تلك الأسانيد، لعدم ثبوت العلل التي أبداها ويبلغ عدد هذا القسم أربعين حديثا.
•2 - انتقاد موجه إلى الأسانيد فيبدي لها عللا من انقطاع أو عدم سماع ... ويكون مصيبا فيما أبداه من علة لكن تأثيره قاصرا على ذلك الإسناد المعين والمتن يكون صحيحا من طريق أو طرق أخرى، وله من المتابعات والشواهد ما يزيده قوة. ويبلغ عدد هذا القسم خمسة وأربعين حديثا.
•3 - انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما أنه لا يصح إلا موقوفا ولم يثبت رفعه. أو يدعي أنه من قول أحد التابعين ولا يصح رفعه أو يدعي أن جملة معينة قد زيدت في متن بسبب وهم أحد الرواة، ويكون مصيبا في ذلك ويكون لذلك الانتقاد أثره لثبوت دعواه ولعدم المتابعات والشواهد لذلك المتن وهذا النوع قليل جدا لا يجاوز ثمانية أحاديث.
•4 - انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما أنه لا يصح إلا موقوفا عن صحابي معين أو مرسلا من قول فلان. وتبين في ضوء الدراسة أن دعواه لا تثبت؛ وهذا يكون بالبداهة لا أثر له في ذلك المتن الذي ادعى فيه تلك العلة. وقد وجدت منه حديثين.)
قلت: وقد انتقد صحيح مسلم بأن فيه عدة أحاديث مروية بالوِجادة، وهي منقطعة، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله r ليتفقد يقول:] أين أنا اليوم .. [الحديث. وروى أيضا بهذا السند حديث: قال لي رسول الله (ص):] إني لأعلم إذا كنت عني راضية [، وحديث:] تزوجني لست سنين [
وقد أجاب عن هذا الانتقاد الرشيد العطار في كتابه"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" بأن الإمام مسلم قد روى هذه الأحاديث الثلاثة وغيرها مما قيل فيه منقطع من طرقٍ أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة.
¥