هو عند جمهور العلماء في المرتبة الثانية بعد صحيح الإمام البخاري. وقدمه بعض المغاربة على صحيح البخاري وهناك قول ثالث باستواء الصحيحين وأنهما كفرسي رهان. قال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم، قلت - أي الذهبي-: لعل أبا علي ما وصل إليه صحيح البخاري.

وإنما حصل ذلك له رحمه الله لنيته الصالحة أولا، ولما بذله ثانيا من الجهد في انتقاء الأحاديث الصحيحة وترتيب الكتاب على نسق بديع.

ومن فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري فحجته في ذلك:

•1 - أن صحيح مسلم ليس فيه بعد مقدمته إلا الحديث السرد كما قال ابن حزم، وقال ابن الصلاح: روِّينا عن أبي علي النيسابوري أنه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم، فهذا وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري، إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً، غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري، فهذا لا بأس به، ولا يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح، وإن كان المراد أن كتاب مسلم أصح صحيحاً، فهو مردود على من يقوله. ا.هـ

•2 - أن الإمام مسلم يجمع طرق الحديث في مكان واحد، بخلاف البخاري فإنه يفرقها في أماكن متعددة، أما مسلم فلا يفعل ذلك إلا نادرا، كما في حديث ابن عباس في قصة مجيء وفد عبد قيس فإنه ذكره في كتاب "الإيمان" (17/ 24،23) وكرره في كتاب "الأشرية": (17/ 39).

قال الإمام السخاوي في ختمه على صحيح مسلم: وقد قال الإمام أبو محمود المقدسي فيما قرأت بخطه: " انفرد مسلمٌ رحمه الله بفائدة حسنة، وهي كون أحاديثه أسهل متناولاً من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها على ما شرطه، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واشتهارها، وتحصل له الثقة بجميع ما أورده من طرقه وقد اتسقت أخبارها، وهذا بخلاف صحيح البخاري فإنه لا يتوصل إلى غرضه منه إلا النادر من الحفاظ المعتنين بمعرفة مظنة المعاني والألفاظ، ... ولعمري لقد غلط جماعة من الأئمة فنفوا رواية البخاري عن أحاديث هي موجودة فيه؛ وما ذاك إلا أنه ذكر أحاديث من كتابه في غير مظنتها الظاهرة لغرض يبتغيه".

•3 - اعتناؤه بترتيب إيراد الطرق، فإنه يورد الطريق الأصح، ويقدم الطرق التي فيها إجمال ثم يُتبعها بالطرق المبينة لها، ويقدم الطريق المنسوخة ثم يأتي بعد ذلك بالطريق الناسخ وهكذا.

قال السخاوي: ومع جمع مسلم رحمه الله تعالى الطرق كما قررناه فهو يوردها على طريقة حسنة وهي أنه يذكر المجمل ثم المبين له، والمشكل ثم الموضح له، فيسهل بذلك على الطالب النظر في وجوهه، ومنها يسوق متن الحديث بتمامه وكماله من غير اختصار ولا تقطيع، وإن وقع له ذلك فإنه ينصّ على أنه مختصر ونحو ذلك .. مع أنه إنما يقع له ذلك فيما يورده في المتابعات لا في الأصول، ومنها أنه يفرِّق بين الصيغ في "حدثنا " و"أخبرنا "، ولا يرى الرواية بالمعنى، بخلاف البخاري في كل ذلك فإنه كان يرى تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره، وجواز الرواية بالمعنى مطلقاً، وعدم الفرق بين "حدثنا " و" أخبرنا " ..

•4 - إنه يعتني بالمتون عناية فائقة فإنه يتحرى ويتحرز في فروق الألفاظ، فيقول مثلاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد بن الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش .. وساق الحديث. قال ابن الصلاح: فإعادته ثانيا ذكر أحدهما خاصة إشعار منه بأن اللفظ المذكور له.

أما البخاري، فعيب عليه الجمع بين عدة رواة قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظ كل واحد منهم، وسكوته عن بيان ذلك.

•5 - أنه اقتصر على المرفوع دون الموقوف وعلى المتصل دون المعلق فليس فيه إلا (14) حديثاً معلقاً على أعلى عدد ذكر وإلا فهي (12) ستة منها وصلها في صحيحه، وأما الموقوفات فهي قليلة جداً عنده لا تقارن بما عند البخاري.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015