قال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم: (فتكريره رحمه الله وإيانا في كل حديث منها لقوله: هذا ما حدثنا أبو هريرة وقوله: فذكر أحديث منها كذا وكذا يفعله المتحرِّي الورع.)
قلت: وقد أثنى العلماء على صنيع مسلم هذا، وفضلوه على البخاري في ذلك، فإن البخاري ليس له ضابط معين في إيراده للأحاديث من هذه الصحيفة، فربما قدم أول حديث من الصحيفة، وهو حديث"نحن الآخرون السابقون"، ثم يعطف عليه الحديث الذي يريده، وقد يورد الحديث الذي يريد من غير أن يورد الحديث الأول فيها، ولعله يريد بذلك جواز الأمرين، والله أعلم.
ط- تحريه في بيان المهمل كوله حدثنا عبد الله بن سلمة حدثنا سليمان يعني بلال. يستجز رحمه الله أن يقول سليمان بن بلال لكونه لم يقع في روايته منسوبا.
ي- تحاشيه التكرار إلا إذا كان هناك حاجة ماسة إليه إنه قد يلجأ إلى ذلك، كما قال في المقدمة: (على غير تكرار إلى أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره .. )
ك- تلخيصه الطرق وتحوُّل الأسانيد، مع إيجاز العبارة وكمال حسنها.
ل- حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه وكمال معرفته لجوامع الخطاب ودقائق العلم، وأصول القواعد وخفيات علم الأسانيد ومراتب الرواة، قال المعلمي في الأنوار الكاشفة (ص29): (عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها، يقدم الأصح فالأصح)، قلت: ومن هذه الحيثية قدِّم على البخاري، كما قال عبد الرحمن بن علي بن الدَّيبع:
تنازع قوم في البخاري ومسلم - - - لديَّ وقالوا: أيّ ذين يقدمُ؟
فقلت: لقد فاق البخاري صحةً - - - كما فاق في حسن الصناعة مسلم
م- التزامه شرح العلل في بعض الأخبار التي يوردها في مواطنها. قال رحمه الله في المقدمة: (قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفِّق لها، وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح.) 1.هـ. قال القاضي عياض: (وكذلك علَّل الأحاديث التي ذكر ووعد أن يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال والزيادة والنقص وذكر تصاحيف المصحفين.).
ن- أعلى ما عنده رحمه الله من الأسانيد يكون بينه وبين رسول الله rأربعة رواة، وليس عنده ولا عند أبي داود والنسائي ثلاثيات، كما هو الحال عند البخاري، فعنده أحاديث ثلاثية كثيرة، وعند الترمذي حديث واحد، وعند ابن ماجه خمسة أحاديث إلا أنها ضعيفة.
يتبع
ـ[عبدالله السني]ــــــــ[01 - Jun-2008, صباحاً 10:56]ـ
منهج الإمام مسلم في صحيحه (2/ 2)
قيمة الكتاب العلمية، وثناء العلماء عليه:
قال محمد بن الماسرجسي: سمعت مسلما يقول صنفت كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.
قال ابن الشرقى: سمعت مسلما يقول ما وضعت شيئا في كتابي هذا المسند إلا بحجة وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة. وقد جاء عنه رحمه الله أنه قال: (عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكلما أشار أن له علة تركته، وكلما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته.) وقال أيضا: (إنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه.)
وقال الذهبي في السير في معرض كلامه عن صحيح الإمام مسلم: (وهو كتاب نفيس كامل في معناه فلما رآه الحفاظ أعجبوا به).
وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (10/ 113):
قلت: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل، وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه، وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب.
منزلته من الكتب الستة، والمفاضلة بينه وبين صحيح البخاري:
¥