ـ[أبو عبد الله الغيثي]ــــــــ[03 - عز وجلec-2009, مساء 01:51]ـ
اعلم وفقك الله بأن الخلاف في كون الوجه عورة أو ليس بعورة , لا أثر له في حكم السفور ((كشف الوجه دائمًا)).
السفور: كشف الغطاء، وسفور المرأة: كشف النقاب عن وجهها مطلقًا لا يشترط أن يكون دائمًا؛ ليقال له: سفور.
والخلاف في كون الوجه عورة أو ليس بعورة له أثر في حكم السفور، كما قال ابن قدامة في المغني (1/ 671): ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما.
وذلك أن غاية هذا الخلاف خلاف حول العلة الموجبة لستر الوجه.
- فمن قرر أن الوجه عورة أوجب ستره كإيجاب ستر الصدر والظهر , فلا يباح كشفه إلا عند الضرورة , وفسر قوله تعالى {إلا ما ظهر منها} بالثياب.
- وأما من قرر أن الوجه ليس بعورة - وهو الراجح عندي - أوجب ستر الوجه , ولكنه رخص في كشفه للحاجة كالشهادة والخطبة والبيع والشراء , مع اعتبار حكمة التشريع لفريضة الحجاب وهو درء الفتنة , ولذلك ينصون على منع هذه الرخصة عند تحقق الفتنة , وهؤلاء يذهبون إلى أن المقصود بقوله تعالى {إلا ما ظهر منها} الوجه واليدان والخضاب والكحل.
وهذه صورة المسألة عند أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين , والفريقان متفقان على وجوب ستر الوجه عند البروز للرجال الأجانب.
ليست هذه صورة المسألة عند أهل العلم؛ فلم يصورها أحد من أهل العلم بهذا التصوير، وحكم ستر الوجه عند البروز للرجال الأجانب ليس مسألة أخرى، كما قال ابن مفلح في الآداب الشرعية والمنح المرعية: فصل (الإنكار على النساء الأجانب كشف وجوههن).
هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟
ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها، أو يجب غض البصر عنها، أو في المسألة قولان؟
قال القاضي عياض في حديث جرير قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة (فأمرني أن أصرف بصري). رواه مسلم.
قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي.
ذكره الشيخ محيي الدين النواوي، ولم يزد عليه.
وقال في المغني عقيب إنكار عمر رضي الله عنه على الأمة التستر: وقوله: (إنما القناع للحرائر) قال: ولو كان نظر ذلك محرمًا لما منع من ستره، بل أمر به، وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه).
وقال الشيخ تقي الدين: وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول: حديث جرير لا حجة فيه؛ لأنه إنما فيه وقوعه، ولا يلزم منه جوازه؛ فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف، وقد تقدم الكلام فيه.
فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة، فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار.
وبيان ما وقع في كلام الفقهاء من التعبير بالرخصة بهذا:
ولا يشكل عليه ما نقلته عن الطحاوي أو غيره لأن قول الطحاوي (ابيح) دليل على الرخصة حال الحاجة لا على الدوام
وأما ما نقلته عن البغوي وغيره من الفقهاء في استثناء الوجه من وجوب التحريم , فهذا ليس كما فهمت يا رعاك الله , وإنما المستثنى (الوجه) خرج بأية الترخيص في إبداء ما ظهر من الزينة , والترخيص معناه إباحة مؤقتة لسبب شرعي علقت الرخصة به , فغاية ذلك جواز إبداء الوجه في وقت دون وقت , مع بقاء الحكم الأصلي في حق المستثنى (الوجه) عند انقضاء مقتضى الرخصة.تقييد لمرادهم بدون دليل يوجب حمل كلامهم على التقييد.
- وأما من قرر أن الوجه ليس بعورة - وهو الراجح عندي - أوجب ستر الوجه , ولكنه رخص في كشفه للحاجة كالشهادة والخطبة والبيع والشراء
لا يجوز للمرأة كشف وجهها إذا كانت بحيث يراها أجنبي إلا لمصلحة راجحة، وليست الحاجة إلى إبداء الوجه عند البيع والشراء، والأخذ والعطاء بين الرجل والمرأة = راجحة على المفسدة التي تقتضي تحريم إبدائه، والمشقة في ستره عند هذه الأحوال يسيرة محتملة بالنسبة إلى المصلحة في ذلك ...
اعلم بأن الذريعة التي تسدها الشريعة , غير الذريعة التي يسدها أهل العلم بقاعدة سد الذرائع.
¥