فالقاضي عياض وتبعه ابن بطال: يقررا الإجماع على وجوب ستر الوجه على أمهات المؤمنين وندبه على من دونهن من نساء المسلمين , وهذا تقرير باطل , فلا يجوز الاعتداد به في الخلاف في المسألة , وهو كخلاف الرافضة في عدالة الصحابة , فهكذا خلاف يسمى خلاف شاذ ولا يقدح في الاتفاق المنعقد , ولذلك تجد من خالف في المسألة كابن القطان والألباني لم يعتبرا قول القاضي عياض وإنما نحو منحى أخر في خلافهم فانتبه.
وأما ما نقلته عن البغوي وغيره من الفقهاء في استثناء الوجه من وجوب التحريم , فهذا ليس كما فهمت يا رعاك الله , وإنما المستثنى (الوجه) خرج بأية الترخيص في إبداء ما ظهر من الزينة , والترخيص معناه إباحة مؤقتة لسبب شرعي علقت الرخصة به , فغاية ذلك جواز إبداء الوجه في وقت دون وقت , مع بقاء الحكم الأصلي في حق المستثنى (الوجه) عند انقضاء مقتضى الرخصة.
فأنت يا عبد الله الشهري عندك اعتقاد مطلق الجواز لكشف الوجه , وتذهب لتستدل له من هنا وهناك وهذا باطل يا أخي.
فلو أنك تدرس المسألة أولًا بناءً على الأدلة , مع التجرد مما علق في ذهنك من اعتقاد , ثم تجمع بين كلام الفقهاء , فستجد معنى كلامي بعون من الله وتوفيقه.
فالحجاب شرع لحجب النساء عن الرجال , ولذلك جمع ربنا جميع الأصناف النسوية في أية واحدة , مما يدل على اتحاد الحكم في حقهن جميعهن , ولا يجوز التفرقة بين ما جمع الله تعالى.
وقد كانت جميع النساء على هذا الحال حتى نزل التفصيل , في سورة النور , ففهم الفقهاء من قوله تعالى {إلا ما ظهر منها} الترخيص في زينة معينة , وأكرر على كلمة الترخيص , لأن هذه الأية لا تكون بحال ناسخة لأصل التشريع وهو فرض الحجاب في الدور وعند البروز.
والخلاف في الزينة المرخص في إظهارها , هو الخلاف بين الفقهاء , لا أنهم مختلفون في كشف الوجه , هل هو واجب أم مستحب كما غلط بعض العلماء مثل القاضي عياض وابن القطان والألباني رحمهم الله.
قال ابن بادي في نظمه لمختصر خليل:
و هل ساتر عورة المصل * و ان يعر أو نجس أو حرير أل
شرط بذكر قدرة و ان خلوا * خلف و هي من رجل آم و لو
بشائب و حرة مع امرأة * ما بين سرة و بين الركبة
و مع الأجنبي سوى الوجه و اليدين * و لتعد إن طرف أو صدر بيين
قال الشيخ محمد باي بلعالم رحمه الله و هو من علماء هذا العصر في شرح قول الناظم " سوى الوجه و اليدين"
قال ابن ناجي: فيجوز النظر في كفها بغير لذه و لا خشية فتنة من غير عذر و عورض بقول ابن رشد لا يجوز النظر للشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو ارادة نكاح و على هذين القولين ليخرج الخلاف في جواز ابدائهما للأجانب و وجوب سترهما عليها. كما أشار إليه القباب في مختصر أحكام النظر لابن القطان.
ثم أشار إلى ترجيح جواز إبدائهما لتظاهر الأدلة به و تعاضدها و قال لكن يستثنى من ذلك ما لا بد من استثنائه قطعا و هو ما إذا قصدت التبرج و إظهار المحاسن فإن هذا يكون حراما و يكون الذي يجوز لها إنما إبداء ما هو في حكم العادة ظاهر حين التصرف و التبذل، فلا يجب عليها معاهدته للستر بخلاف ما هو في العادة مستور إلا أن يظهر مقصد كالصدر و البطن فإن هذا لا يجوز لها قط إبداؤه و لا يعفى لها عن بدوه. اهـ[باختصار من شرح الشية محمد بن العالم الزجلاوي و قد أطال في هذا الموضوع و بسط فيه و جلب فيه كثيرا من العلماء و ذكر فيه من لا يجوز النظر إليهم]. انتهى شرح الشيخ بلعالم: إقامة الحجة بالدليل شرح على نظم ابن بادي لمختصر خليل ج1 ص 214
ثم ذكر الشيخ من أدلة هذا القول قوله تعالى: و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها.
و قال الشيخ محمد الحسن ولد الددو و هو معاصر: إن هذا السؤال قد طرح أكثر من مرة و قد ذكرت في كثير من الدروس الماضية أن وجه المرأة مختلف فيه هل هو عورة أم لا. و أنه مذهب الجمهور أنه ليس بعورة و استدلوا بعدة أدلة منها الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إقراره لكشف المرأة وجهها كما في الصحيحين من حديث ابن عباس في حديث الخثعمية التي كانت رائعة الجمال و كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل عنها إلى الجهة الأخرى عند ما رآه ينظر إليها و تنظر إليه و كذالك حديث جابر في صلاة العيد فقامت امرأة من سطة النساء في وجهها سفعة و السفعة هي تغير لون
¥