وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت، لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة، كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف، فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: ? وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ? (البقرة: 189)، فبين سبحانه أن هذا ليس ببر، وإن لم يكن حراماً، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصياً، مذموماً، مبتدعاً، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب.

ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله، ولا يرجو به الثواب، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه ديناً، وإذا نهى عنه كان كمن نهى عن دينه، ورأى أنه قد انقطع عن الله، وحرم نصيبه من الله تعالى إذا تركه، فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول أحد من أئمة المسلمين: إن اتخاذ هذا ديناً وطريقاً إلى الله تعالى أمر مباح، بل من جعل هذا ديناً وطريقاً إلى الله تعالى فهو ضال، مفتر، مخالف لإجماع المسلمين. ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه، ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلاً متكلماً في الدين بلا علم.

فالسؤال عن مثل هذا أن يقال: هل ما يفعله هؤلاء طريق وقربة وطاعة لله تعالى يحبها الله ورسوله أم لا؟ وهل يثابون على ذلك أم لا؟ وإذا لم يكن هذا قربة وطاعة وعبادة لله، ففعلوه على أنه قربة وطاعة وعبادة وطريق إلى الله تعالى. هل يحل لهم هذا الاعتقاد؟ وهذا العمل على هذا الوجه؟

وإذا كان السؤال على هذا الوجه لم يكن للعالم المتبع للرسول ? أن يقول: إن هذا من القرب والطاعات، وأنه من أنواع العادات، وأنه من سبيل الله تعالى وطريقه الذي يدعو به هؤلاء إليه، ولا أنه مما أمر الله تعالى به عبادة: لا أمر إيجاب، ولا أمر استحباب، وما لم يكن من الواجبات والمستحبات فليس هو محموداً، ولا حسنة، ولا طاعة ولا عبادة باتفاق المسلمين.

فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب. لاسيما كثير من هؤلاء الذين يتخذون هذا السماع المحدث طريقاً يقدمونه على سماع القرآن وجداً وذوقاً. وربما قدموه عليه اعتقاداً، فتجدهم يسمعون القرآن بقلوب لاهية، وألسن لاغية، وحركات مضطربة وأصوات لا تقبل عليه قلوبهم، ولا ترتاح إليه نفوسهم، فإذا سمعوا "المكاء" و"التصدية" أصغت القلوب، واتصل المحبوب بالمحب، وخشعت الأصوات وسكنت الحركات، فلا سعلة، ولا عطاس ولا لغط ولا صياح، وإن قرؤوا شيئاً من القرآن أو سمعوه كان على وجه التكلف والسخرة، كما لا يسمع الإنسان ما لا حاجة له به، ولا فائدة له فيه، حتى إذا ما سمعوا مزمار الشيطان أحبوا ذلك، وأقبلوا عليه، وعكفت أرواحهم عليه.

فهؤلاء جند الشيطان، وأعداء الرحمن، وهم يظنون أنهم من أولياء الله المتقين، وحالهم أشبه بحال أعداء الله المنافقين، فإن المؤمن يحب ما أحبه الله تعالى، ويبغض ما أبغض الله تعالى، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، وهؤلاء يحبون ما أبغض الله، ويبغضون ما أحب الله، ويوالون أعداء الله، ويعادون أولياءه، ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مزامير الشيطان، وكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من أعداء الله ورسوله، وجند الشيطان.

فيهم من يطير في الهواء والشيطان طائر به، ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه تصرعهم. وفيهم من يحضر طعاماً، وإداماً، ويملأ الإبريق من الهواء والشياطين فعلت ذلك. فيحسب الجاهلون أن هذه من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من جنس أحوال الكهنة والسحرة وأمثالهم من الشياطين، ومن يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية والشيطانية لا يشتبه عليه الحق بالباطل.

وقد بسطنا الكلام على "مسألة السماع" وذكرنا المشائخ فيه في غير هذا الموضع، وبالله التوفيق والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. يتبع - ان شاء الله -

ـ[ابوسمية]ــــــــ[11 - Mar-2009, صباحاً 08:56]ـ

سماحة العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم إبراهيم بن محمد بن حمد سلمه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015