الشرعية إلى البدعية إلا لجهل، أو عجز، أو غرض فاسد. وإلا فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين، والعارفين، والمؤمنين. قال تعالى في النبيين: ? أولئك الذين أنعم لله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً? (مريم:58).

وقال تعالى في أهل المعرفة: ? وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق? (المائدة:83). وقال تعالى في حق أهل العلم: ? إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا? (الإسراء: 107 - 109). وقال في المؤمنين: ? إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزفناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقا? (الأنفال: 2 - 4)، وقال تعالى: ? الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله? (الرمز:23).

وبهذا السماع هدى الله العباد، وأصلح لهم أمر المعاش والمعاد، وبه بعث الرسول ?، وبه أمر المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعليه كان يجتمع السلف، كما كان أصحاب رسول الله ? إذ اجتمعوا أمروا رجلاً منهم أن يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون لقراءته. وقال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود". وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك"، فقال: لو علمت أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً. أي لحسنته لك تحسيناً.

وفي الصحيح أنه ? قال لابن مسعود: "اقرأ علي القرآن"، فقال: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! فقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية: ?فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ? (النساء:41)، قال لي: "حسبك"، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من البكاء. وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبي ?، حيث قال: "خير القرون الذين بعث فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا. لا بالحجاز، ولا باليمن، ولا بالشام، ولا بمصر، والعراق، وخراسان، والمغرب. وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك، وقد مدح الله أهل هذا السماع، المقبلين عليه، وذم المعرضين عنه، وأخبر أنه سبب الرحمة، فقال تعالى: ? وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون? (الأعراف: 204) وقال تعالى: ? والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعميانا ? (الفرقان:73)، وقال تعالى: ? ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق? (الحديد:16)، وقال تعالى: ? ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون? (الأنفال:23)، وقال تعالى: ? فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة? (المدثر:49 - 51)، وقال تعالى: ? ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه? (الكهف:57)، وقال تعالى: ? فإما يتأينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى? (طه: 123 – 126)، ومثل هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، ويأمرهم بسماع ذلك.

وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين في المغرب، والعشاء، والفجر. قال تعالى: ? وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا? (الإسراء: 78)، وبهذا مدح عبد الله بن رواحة النبي ? حيث قال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن إذ استثقلت بالكافرين

فراشه أتى بالهدى بعد المضاجع

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015