أولاً: هذا القول من عجائب الأمور فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول:" كل بدعة ضلالة" وهؤلاء يقولون:" ليست كل بدعة ضلالة". أليس هذا رد وتحريف لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم. يقول ابن تيمية:" ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية وهي قوله:"كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها وهو أن يقال:ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل "

ثانياً: وأما قول عمر رضي الله عنه:" نعمت البدعة هذه" فلا حجة لهم في هذا القول من وجوه:

أولاً: أن ما سنه الخلفاء الراشدون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو سنة، ولا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص؛ فقد حاء ما يدل عليه في الجملة، وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال فيه: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور" فقرن عليه السلام سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وأن من أتباع سنته أتباع سنتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء؛ لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه:

إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله لا زائد على ذلك.

ثانياً: عمل عمر رضي الله عنه لبس بدعة في الشريعة، فهو لم يحدث شيئاً جديداً في الدين، فقد صلى الصحابة صلاة التراويح جماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركها خشية أن تفرض عليهم فلما مات صلى الله عليه وسلم ذهبت العلة التي من أجلها تركوا صلاة الجماعة، فأعاد الأمر على ما كان عليه. يقول ابن تيمية:" فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة؛ بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله فإنه قال:" إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسن لكم قيامه" ولا صلاتها جماعة بدعة بل هي سنة في الشريعة؛ بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين؛ بل ثلاثا. وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات. وقال:" إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة " كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن. وبهذا الحديث أحتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد. وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد، على عهده صلى الله عليه وسلم، ويقرهم وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم. "

ثالثاً: قول عمر رضي الله عنه:" نعمت البدعة هذه" هي تسمية لغوية لا شرعية. رابعاً: أما جمع المصحف ونحوه فهي من باب المصالح المرسلة، لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول. " فحق ما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن له أصلا يشهد له في الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه لقوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)، وأمته مثله، وفي الحديث:" ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأشباهه.

والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة؛ لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، كذلك لا يتقيد حفظه عن التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى، إذا لم يعد على الأصل بالإبطال؛ كمسألة المصحف، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح.

وأما ما سوى المصحف؛ فالأمر فيه أسهل، فقد ثبت في السنة كتابة العلم:

ففي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:"اكتبوا لأبي شاه" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:" ليس احد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب"

وذكر آهل السير انه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له الوحي وغيره؛ منهم: عثمان، وعلي، ومعاوية، والمغيرة بن شعبة وأبي بن كعب، وزيد ابن ثابت، وغيرهم.

وأيضا؛ فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ وخوف اند راس العلم كما خيف دروسه حينئذ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015