ثم يقول: " فإذا نحن تقصَّيْنا أخبار هذا الصِّنف من الناس أَتْمَمْناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المتقدِّم قبلهم، وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم السِّتر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم من حُمَّال الآثار ونُقَّال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة ثَنِيَّة ".
--------------------------------------------------------------------------------
هنا يصرح أنه سيُخرج أولًا ويعتني أولًا بالطبقة الأولى وهي: المتقنون الحفاظ، ثم يقول إذا أخرجتُ رواية هؤلاء قد أُخْرج أيضًا لمن كان دونهم في الحفظ والإتقان وهم آخر مراتب القبول.
فهؤلاء الرواة الذين سماهم عند مسلم هم في آخر مراتب القبول، ولذلك يقول: " فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم ". وأنبه هنا أن المقصود بالسِّتْر ليس المقصود به ما اصطلح عليه المتأخرون من أن المستور هو: القسم الأول من المجهول وهو من روى عنه راويان عدلان ولم يُجْرَح ولم يُعَدَّل؛ هذا هو المستور عند المتأخرين عند ابن الصلاح. ليس هذا هو المقصود بالستر هنا وإنما المقصود بالستر هنا أنه لم يُعرف عنه الفِسق.
فهذا القسم من الرواة هم كما ذكرنا هم الرواة الخفيفون الضبط، على كل حال كلام الإمام مسلم ظاهر والأمثلة التي ذكرها تدل على ذلك.
أما بالنسبة لهؤلاء الذين ضرب بهم المثل وهم:
1 - عطاء بن السائب: فهو راوٍ اختَلَط؛ فروايته قبل الاختلاط مقبولة وروايته بعد الاختلاط ضعيفة، ومسلم لم يُخرج له في الصحيح أبدًا، مع أنه ضرب به المثل لكنه لم يُخرج له في الصحيح أبدًا.
2 - وأما يزيد بن أبي زياد: فهو راوٍ فيه خلاف كبير، والراجح أنه حَسَن الحديث، خاصة إذا صرَّح بالسماع، ولم يرو له مسلم إلا حديثًا واحدًا متابعةً، لم يُخرج له مسلم إلا حديثًا واحدًا في المتابعات.
--------------------------------------------------------------------------------
3 - وليث بن أبي سليم: فيه خلاف أكبر من الخلاف الذي في يزيد بن أبي زياد، وكثير من أهل العلم يضعفه، لكن الراجح عندي - والله اعلم - وهو الراجح عند مسلم قبل ذلك أنه في آخر مراتب القبول وأنه يُحتج به لكن في آخر مراتب القبول، وهو أيضا لم يخرج له الإمام مسلم إلا حديثًا واحدًا مقرونًا براوٍ آخر، وبذلك بالفعل يُطَبِّق مسلم الشرط الذي ذكره؛ أنه يخرج لهؤلاء في متابعات كتابه، لكن أيضًا حتى هؤلاء الرواة عند مسلم لم ينزلوا عن درجة القبول، وهذا الذي نؤكده أن حتى رواة المتابعات والشواهد عند صاحبي الصحيح الأصل فيهم أيضًا أن لا ينزلوا عن درجة القبول، وكلام مسلم في هذا الموطن صريح بهذا الأمر.
قد يعترض بعض طلبة العلم بأمر وهو كلام أبي زرعة الذي قلنا بأننا سنذكره بعد قليل، قصة الإمام مسلم مع أبي زرعة؛ حيث يقول البَرْذعِي وهو تلميذ للإمام مسلم وتلميذ لأبي زرعة يقول: " شهدتُ أبا زرعة ذَكَر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم ثم الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئًا يتشوفون به، ألفوا كتابًا لم يُسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها ".
هذا اجتهاد من أبي زرعة، لا نشك أنه أخطأ فيه، يعني اعتبر أن هذا التصرف من مسلم لأن مسلمًا من طبقة تلامذته وإن كان قريب منه في السن لكنَّ أبا زرعة أكبر منه سنًّا ولعله علمًا أيضًا، فانتَقَد عمل مسلم هذا، وسيأتي وجه انتقاده، ولذلك أساء النية في الإمام مسلم.
يقول البرذعي: " وأتاه ذات يوم - يعني جاء مسلم لأبي زرعة في ذات يوم – وأنا شاهد رجلٌ بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث أسباط بن نصر فقال لي أبو زرعة: ما أبعد هذا من الصحيح يُدْخل في كتابه أسباط بن نصر ". انتقد عليه أن يروي لرجل اسمه أسباط بن نصر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
--------------------------------------------------------------------------------
¥