كما يدلُّ كلام ابن القيِّم رحمه الله على أنَّ الأئمة ينتقون أحاديث الثقات، ويحتجُّون من حديثِهم بما تابعهم عليه غيرُهم، وهذا الانتقاء تحت الحكمين: العام النظري والخاص التطبيقي باعتبارين مختلفين، فباعتبار النظر إلى الإمام المُنتقِي نفسه فإنه حكم خاصٌّ صدر منه خلال حكمه على حديث الراوي، وباعتبار النظر إلى من بعده فإن الانتقاء يُعتبر حكمًا عاما لأن الإمام انتقى صحيح حديث الثقة من سقيمه، وأعلمنا بذلك.
قال المعلمي (رحمه الله): "ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين: الأول: أن يسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به.
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته، فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد، أما الثاني فإنه كثيرا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث. انتهى. ()
وقال أيضا: "إن المحدث قد يسأل عن رجل فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله، ثم قد يسمع له حديثا فيحكم عليه حكما يميل فيه إلى حاله في ذلك الحديث. ()
فيظهر من المنقول عن المعلمي رحمه الله، أن الأصل هو الحكم العام الذي توصل إليه اجتهاد الإمام بعد دراسة وسبر وتتبع واستقراء، ولا يتغير ذلك الحكم إلا بتغيُّر اجتهاد الإمام، وكون الإمام يختلف تعامله مع ذلك الراوي في حديث معيَّن؛ فإن هذا لا يعني نقض الحكم المطلق، بل إنها حالة استثنائية لا تُعمَّم لتؤثر على الحكم العام، أوبعبارة أخرى الأغلب من حال ذلك الراوي هو مطابقته ذلك الحكم المطلق العام.
مثاله: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبوعروة البصري، أخرج له الجماعة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
الحكم النظري العام عليه:
قال الحافظ ابن حجر: "ثقة ثبت فاضل. إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث بالبصرة" تقريب التهذيب (2/ 271).
الحكم عليه عند تخريج حديثه:
قال ابن أبي حاتم في علله: "وسألتُ أبِي، وأبا زُرعة، عَن حدِيثٍ؛ رواهُ معمرٌ، عنِ الأعمشِ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، عن حُذيفة، قال: كُنّا إِذا دُعِينا إِلى طعامٍ والنّبِيُّ صلى الله عليه وسلم معنا، لم نضع أيدِينا حتّى يضع النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يدهُ، فأتينا بِجفنةٍ، فجاء أعرابِيٌّ ... فذكرتُ لهُما الحدِيث.
فقالا: "هذا خطأٌ، رواهُ الأعمشُ، عن خيثمة، عن أبِي حُذيفة الأرحبِيِّ، عن حُذيفة، وليس هو من حديث زيد بن وهب".
فقلتُ لهما: الوهم مِمّن هُو؟ قالا: من معمر.
فهنا يترك حديث معمر لأجل وهمه مع أنه ثقة ثبت فاضل. ()
مثال آخر: قال أحمد بن القاسم: "رأيت أحمد ضعَّف رواية عكرمة ولم ير روايته حجة"، قال أبو بكر الخلال: "هذا في حديث خاص، قال: وعكرمة عند أبي عبد الله ثقة يحتج بحديثه". ()
مثال آخر: حديث رواه أبو داوود والنسائي وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوها.
فهذا الحديث رواه الثقة المذكور في المثال السابق: معمر بن راشد، ومع ثقته خالفه غيره من الرواة الثقات في إسناد الحديث ومتنه، فمعمرٌ رواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، بينما بقية الرواة رووه عن الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس عن ميمونة.
وأما شذوذه في لفظ الحديث: فإن معمر رواه باللفظ الذي ذكرناه وفيه تفصيل بين السمن الجامد والمائع، ولكن غيره من الرواة رووه بلفظ: "انزعوه وما حوله فاطرحوه", ليس فيه التفصيل الذي في رواية معمر: فإن كان جامدا فألقوها. ()
الخلاصة:
هنالك فروق ظاهرة بين الحكم النظري العام على الراوي والحكم عليه عند تخريج حديثه:
1. يكثر اختلاف الأئمة في الحكم النظري العام على الراوي، بينما يقلُّ الاختلاف إذا تعلَّق الأمر بحديث معين، فالنظر في الحكم العام أوسع بابا من النظر في الحكم الثاني، ولذا نرى الأئمة يختلفون في الحكم العام على الراوي ويتفقون في تعليل حديثه.
2. أن الحكم النظري العام يبقى على أصله غالبا لأنه نتج عن سبر وعلم، أما الحكم الخاص فيختلف من حديث إلى حديث.
3. الحكم التطبيقي الخاص أدق من الحكم النظري العام في تشخيص حالة الراوي في حديث معين.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.