ـ[خالد محمد المرسي]ــــــــ[13 Oct 2010, 03:40 م]ـ
- 4 - المسئولية عن فعل الغير (أُذيع في 10/ 3/1957 م)
- في نسق متصل من المحاورة، حول قاعدة المسؤوليات الأخلاقية ..
- قال الطالب لأستاذه: قد تبين من حديثك – أيها المربي الفاضل – أن ها هنا حالتين نكون فيهما مسؤولين عن فعل غيرنا، ونكون مؤاخذين معه بذنبه:
- الحالة الأولى: أن يكون ذلك الغير، قد فعل فعلته امتثالاً لأمرنا، وخُضوعًا لسلطاننا، رغم علمه بسوء مايصنع وقُبح ما يرتكب.
- الحالة الثانية: أن يكون موقفنا منه ليس موقف أمر والزام، ولكننا زيّنا له السيئة حتى رآها حسنة، وروّجنا له الباطل حتى ظنه حقًا، وكان في وسعه – لو انتفع بمداركه ومواهبه – أن يرى الحق حقًا فيتبعه، وأن يرى الباطل باطلاً فيجتنبه، ولكنه وثق الثقة العمياء. بمن حوله، فجعل يرى بأعينهم، ويسمع بآذانهم، ويفكر بعقولهم، حتى وقع فريسة لخدعة الخادعين، وضلالة المضلين ..
- وقد تبين من حديثك – أيها المربي الفاضل- أن مسئوليتنا في كلتا الحالتين عن سلوك هؤلاء الإمعات، الذين ائتمروا بأمرنا، أو خُدعوا باحتيالنا، أن مسئوليتنا هذه لا تعفيهم من مسئوليتهم، ولا تخفف عنهم شيئا من أوزارهم؟ كما أن الذي يفعل الخير، استجابة لدعوتنا ويعتنق الحق. اقتناعًا بحجتنا، يوزن عمله في كفة حسناتنا، من غير أن ننتقص شيئا من أجره .. كل هذا قد حصلته ببيانك – أيها المربي الفاضل- وقد عقلته ووعيته ...
- والآن أستزيدك علمًا فأسألك: هل هناك حالات أُخر تنتشر فيها المسؤولية الى مدى أبعد من هذا؟. أعني أنها تتعدى من الفاعل المباشر، الى من لم يشاركه في عمله ولم يأمره به، ولم يزينه له؟.
- قال المربي: نعم .. إن الذي لم تعرفه بعد في هذه القضية، لهو أسع نطاقًا مما عرفت، ولا أشك في أنه سيكون أشد غرابة في نظرك .. لقد كان عندك عجبًا – في بادئ الأمر – أن يكون الذي أمر بالفعل أو رغب فيه يُسأل عنه ويُجازي، كما يسأل ويجازي فاعله سواءًا. ذلك على أنه ليس في الأمر من عجب؛ فإن الذي يأمر بالفعل أو يُرغب فيه، قد تسبب فيه تسببًا مقصودًا، إذ كان حريصًا على صدوره من فاعله. وسعى لذلك سعيًا بقوله وفعله، ونيته وقصده .. فليت شعري، ماذا سيكون موقفك الآن لو عرفت أننا قد نًسأل عن الفعل، يفعله غيرنا من تلقاء نفسه، دون أن نأمره به، أو نُحرضه عليه، أو نُرغبه فيه؟!. بل دون علم منا ولا شعور بأنه فعله أو بأنه سيفعله، بل حتى لو فعله بعد موتنا، ولو بعد قرون من عصرنا؟!.
- قال الطالب: إنه لعجيب حقًا أن نُسأل عن شيئ لم نفعله، ولم نأمر احدًا أن يفعله، ولم نُرد أن يفعله، بل لم يخطر ببالنا أنه سيفعله. أليست الأعمال بالنيات؟. فكيف نُسأل عن شيئ لم تتناوله نيتنا؟! كيف نحاسب على شيئ عمله غيرنا ونحن عنه غافلون؟!.
- قال المربي: ألم تتدبر هذا التعبير القرآني الحكيم: - {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} يس (12)؟. ألاترى كيف جمع إلى الفعل المباشر آثاره كلها، ولم يشترط فيها أن تكون ارادية، أو لاشعورية؟. ذلك أننا متى توجهت نيتنا الى عملنا المباشر، ثم باشرناه عمدًا وقصدًا، ونحن عالمون بما فيه من البر او الاثم، فقد تمت أركان مسؤوليتنا، ولو لم نعرف مدى مايتولد عنه من الأصداء والآثار، وما مقدار ما يترتب عليه من الأجزية والنتائج. ألا ترى أن الله يرزق المتقي من حيث لايحتسب، ويحبط عمل المسيئ من حيث لايشعر؟ فكما أننا نستحق هذه النتائج والأجزية الإلهية وننالها من غير أن نتوقعهاأو نشعر بها، كذلك نحمل تبعة النتائج والآثار الاجتماعية التي تنشأُ عن عملنا، ولو لم نقصدها ولم نشعر بها.
- قال الطالب: هلاً ضربت لنا مثلاً من هذه الآثار الاجتماعية، وتبعاتها الأخلاقية التي تُحمل علينا، ولو لم نقصدها ولم نتوقعها؟.
- قال المربي: اعلم يابني أنك لن تعمل عملاً من خير أو شر، في أقصى المشرق، ثم يسمع به احد في أقصى المغرب، فيستحسنه ويُحاكيه .. ولن تقول مقالة، في رضوان الله أو في سخطه، فيرددها وينشرها غيرك في حياتك أو بعد موتك .. ولن تضع لبنة في أساس منشأة برّة أو فاجرة، فيجيئ آخرون من ورائك، فيتابعوا رفع البناء .. إلا كان لك أو عليك جزاء ماقلت وما فعلت، وجزاء ما قال الناس من بعدك وما فعلوا .. الى يوم القيامة.
- قال الطالب: ياللهول! الى يوم القيامة؟.
- قال المربي: نعم.
- قال الطالب: هل تجد لذلك شاهدًا في كتاب الله، أو في سنة رسوله –صصى الله عليه وسلم -؟.
- قال المربي: بل فيها جميعها .. روى مسلم والنسائي عن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سن في الاسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقصُ من أجورهم شيئ. ومن سن في الاسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من اوزارهم شيئ". وروى مالك والبخاري ومسلم وغيرهم. عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " ليس من نفس تُقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها، لأنه أولُ من سن القتل" وأنت فاقرأ مصداق ذلك كله في كتاب الله تعالى: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} المائئدة (32)
¥