الحالك سُمي له بياضًا ناصعًا لاتهم حاسته ووجدانه، ولو أن الشر المحض صُور له خيرًًا خالصًا لقال: لعل صاحبي يرى أعمق مما أرى .. فمثل هذا المخدوع الإمعة، في احتماله تبعة أعماله كمثل السكران الذي يصل به السكر إلى العبث والعربدة، فهو مسئول عن عبثه وعربدته في حال سُكره لأنه هو الذي أدخل على نفسه السُكر باختياره.

- قال الطالب: هب هذا المضلل المسكين يعيش في بيئة كل الناس فيها يسمعون مايسمع، ويرون ويفكرون كما يرى ويفكر .. ألا يكون هذا عذرًا له في الإستمرار على خطئه وغفلته؟ إذ من ذا الذي يخطر بباله أن يتهم قومه كلهم بالاجتماع على ضلالة؟

- قال المربي: قد يكون هذا عذرًا ما للعامة والدهماء المستضعفين الذي لايجدون حيلة ولايهتدون سبيلاً .. ومن هنا بعثت الرسل منبهين ومذكرين، لئلا يقول الناس إنا كنا عن هذا غافلين ..

- قال الطالب: وهل يكفي التذكير والتنبيه لتحرير العقول واطلاقها، وهي حبيسة في حظيرة العقلية الجماعية؟ ألست ترى أن الفرد في الجماعة لايفكر بملء حريته واستقلاله، ولكنه ينساق انسياقًا في تيار الفكر الجمعي؟.

- قال المربي: صدقت يابني. وان القرآن الحكيم لم يغفل هذه الحقيقة، ولم يهمل علاجها، فقد دعا كل واحد منا أن يخلو بنفسه ويتساءل في هدوء وطمأنينة، عن حقيقة الأمر في كل ما حوله من أفكار وعقائد، وأخلاق وعوائد، ليخرج منها برأي مستقل، يتحمل هو مسئولياته وتبعاته. هكذا يقول – تسامت حكمته -: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} الروم (8). غير أنه لما كان تمحيص الرأي الفردي لايتم أحيانًا إلا بمعونة الغير، حصر القرآن هذه الرخصة في أضيق حدودها، ولم يأذن بأن تدور هذه المحاورة بين أكثر من اثنين اثنين، حتى لايتشعب الرأي ويتبدد، حتى لايقع الفرد تحت سلطان العقلية الجماعية. فذلك هو أساس الحكمة التي دعا اليها القرآن وجعلها هي الوصية الوحيدة لطلاب الحق: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} سبأ (46)

ـ[أبو المهند]ــــــــ[10 Oct 2010, 02:31 ص]ـ

سعيد بك جدا أيها الفاضل إذ العيش في بركة العلم ومصاحبة الصالحين نعمة لا تضاهيها نعمة.

ـ[خالد محمد المرسي]ــــــــ[13 Oct 2010, 02:59 م]ـ

شكرًا لك دكتور/ عبد الفتاح.

شَرَّفني مرورك الكريم

المقال الثاني فيه سطر ناقص فسأعيد لصقه وأُلون السطر الناقص باللون الأحمر

2 - مسئولية الضعفاء والمستكبرين (أُذيع في يوم 1/ 2/1957م)

قال المربي لتلميذه وهو يحاوره في انواع من المسئوليات الأدبية:

- هل عرفت الآن يابني أننا مسئولون عن فعل غيرنا، متى كان الغير قد عمل بأمرنا أو بايحائنا؟.

- قال الطالب: نعم. لقد عقلت هذا المثال.

- قال المربي: هذا هو الضَربُ الأول من مسئوليتنا عن فعل الغير.

- قال الطالب: أرجو ألاتتعجل بالانتقال الى نوع أخر حتى أُكاشفك بما يجول في خاطري عن هذا النوع الأول؛ لقد كنت أظن من قبل أن الفاعل المباشر لإثم هو الذي يجب أن يبوءَ وحده بالإثم كاملاً، وألا يسأل معه أحد غيره. ولكني حين سمعت مقالة القرآن الحكيم في شأن دعاة السوء: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} العنكبوت (13). تحول موقفي من النقيض الى النقيض، فأصبحت الآن أرى أن المسئولية هنا على الآمر، لاعلى المباشر، وعلى المتبوع لاعلى التابع. أليس من العدل أن المتبوعين ذوي النفوذ والسلطان هم الذين يحملون وزرهم ووزر أتباعهم كاملين؟

- أوليس من القسوة أن نُحمل أتباعهم تبعة مافعلوه امتثالاً للأمر القاهر؟. نعم. ماذنب هؤلاء الضعفاء الذين لم يقترفوا الإثم عن طوع ورغبة واختيار ولكن عن اكراه وإلجاء واضطرار؟. أليس كتاب الله يقول: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} النحل} (106). {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام (119)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015