نص القرآن على هذا الأصل في قوله تعالى {يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم}، كما تقدم، فتضمنت هذه الأصول التربوية تلاوة للآيات وتعليما للكتاب وتعليما للحكمة، وتزكية بمعنى التطهير والتنقية من السوء والقبائح والمنكرات، فهي ثمرة عملية لتطبيق الأصول التربوية الأولى، وهي ثمرة لتلاوة القرآن، وثمرة لفقه القرآن، والتفقه فيه، وثمرة لفهم السنة، وثمرة للعمل بما علم من التلاوة والكتاب والسنة.

التزكية: تطهير الإنسان حسيا ومعنويا ظاهرا وباطنا من دنس الذنوب والمعاصي، وفيها معنى النمو والزيادة والتعهد بالرعاية نحو الكمال.

وتأمل هذا التركيب العجيب وهذا الأسلوب الفريد حيث أفرد لتلاوة الآيات فعلا، وهو «يتلو» ثم جاء بفعل آخر لتعليم الكتاب وهو «ويعلمهم» ليدل بذلك على المباينة بين التلاوة وتعليم الكتاب، وأشرك «الحكمة» في نسق التعليم، لأنها مربوطة بتعليم الكتاب، وحذف كل ذلك من التزكية، ولم يقل ويعلمهم التزكية، كالأصول السابقة، لأن التزكية لا تعلم ولا تحفظ ولا تتلى كما هو الشأن في مناهجنا الحالية، وإنما هي إحساس فانفعال فسلوك وعمل بعد ذلك، وإنما هي ثمرة من ثمرات التلاوة وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة، فإذا لم تثمر هذه الأصول التربوية التزكية فهي كالعدم، فهي محض سلوك وعمل يظهر بعد التلاوة وبعد فقه التلاوة وبعد فقه السنة.

قال تعالى {قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى} (الأعلى:14 - 15)، وقال {قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها} (الشمس: 9 - 10)، فقد فاز بكل مرغوب وظفر بكل محبوب من زكى نفسه وهذبها ونماها بالعلم، وزكاها بالتلاوة وفقه القرآن وعلومه وعمل بها، ومادة التفعل للتكلف وبذل الجهد أي بذل جهده في تطهير نفسه بالأعمال الصالحة.

بيان بأثر هذه الأصول التربوية وثمراتها

ولما كان التأثير يتم بمقدار عظمة المؤثر ظهر تأثير هذه الأصول التربوية والتفقه فيها في بناء شخصية الإنسان قويا وفعالاً وكاملا يصعب علينا حصر جميع جوانب هذا التأثير في بناء شخصية الإنسان واتزانها واعتدالها، ولسوف أقتصر على بعض الجوانب فقط، لأن مصدر هذه الأصول هو القرآن الكريم، وموضوع القرآن الكريم هو الإنسان نفسه، ولقد استلهمت هذا المعنى من قوله تعالى: {الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان} (الرحمن: 1 - 4)، فقدم تعليم القرآن على خلق الإنسان، وهو متأخر عنه في الوجود لأن تعليم القرآن هو السبب في إيجاده، فبتعليم القرآن يتحقق في هذا الكائن معنى الإنسان، كما قدمنا في قوله تعالى {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال:24)، دلت الآية على أن الاستجابة للقرآن حياة أخرى من نوع آخر، ولا يمكن حمل الحياة هاهنا على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فوجب حمله على حياة أخرى من نوع آخر، الاستجابة لأوامر القرآن واجتناب نواهيه، والعمل به هو الحياة الحقيقية.

ولسوف -بإذن الله- أسوق أمثلة ونماذج حية أبرهن فيها على هذه الحياة في عرف القرآن وأثره في بناء الإنسان.

أولا: طريقة القرآن في الخطاب لتربية الأخوة

قال تعالى في سياق أخبار بني اسرائيل {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} (البقرة:84 - 85).

قال ابن كثير: إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحد وقد بين القرآن أن من قتل نفسا بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعا فقال: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة:22)

ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (المائدة: 105).

ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الغير، قال تعالى {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} (النور: 61).

ومن تعبيرات القرآن وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى {ولا تلمزوا أنفسكم} (الحجرات:11).

ومن تعبيرات القرآن عن الغير بالنفس وإردة الغير لأن الإنسان أخو الإنسان قوله تعالى {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (النور:12).

ثانيا: حصول الطمأنينة والسكينة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015