وهنا تبدو الدهرية المطلقة بصبغتها المادية، فالتنوير هو هذا الذي يطرحه د. حنفي حيث تصبح الطبيعة هي الإله، والوحي منها وإليها، والغيب يرتد إلى المادة والمحسوس والمشاهد، وبذلك لا ينقطع الوحي ولا ينتهي فهو مستمر ولا أدل على استمراره من الإنجازات البشرية المذهلة والمتواصلة، لأن الوحي اسم يطلق على النشاط الذهني للإنسان في زمان ومكان.

هذا هو إذن الفهم التنويري العقلاني للوحي في الخطاب العلماني يبقي عليه مستمراً دائماً في كل عمليات التفكير أو الإبداع أو الابتداع البشرية، إنه ينبع من البشر من أجل البشر، ولا حاجة لمرسِل ولا لمرسَل إليه ولا لرسول، فهو واقعة إنسانية لا صلة لها بالدين، ويحدث بناء على اقتراحات الأفراد وأزماتهم ومطالبهم.

هذه الرؤية الحسنفية للوحي القائمة على المنهج الشعوري "" الوحي تجربة في شعور الرسول الذي يشعر بأزمة "" والذي يحكم نظرتها إلى التراث ككل وليس إلى الوحي فقط هو بغض النظر عن كونه منهجاً مستعاراً من هوسرل كما يشير بعض الباحثين فإنه يؤدي إلى تفريغ الوحي من مضمونه، وإعادة شحنه بمضامين يختارها كل قارئ وكل مغرض فهو منهج "" في التعامل مع النصوص ينتهي في التحليل الأخير إلى التعامل معها بوصفها صوراً عامة فارغة قابلة للامتلاء بالمضمون الذي يفرضه المنهج، منهج الشعور الذاتي، وفي مثل هذا التصور لطبيعية النص تتساوى النصوص الدينية والنصوص الفكرية الكلامية "".

--------------------------------------------

سؤال:

لماذا يُحاط الوحي القرآني بكل هذه (الإشكالات) المتوهمة في رأيكم؟

ممكن تلخيص سبب أشكلة مفهوم الوحي الحقيقي من أجل زحزحته:

فتلك الرؤية الحسنفية - السابقة - لا تختلف عن الرؤية الأركونية للوحي وخصوصاً إذا علمنا أن الوحي المستقر في المفهوم الإسلامي بنظر أركون مفهوم أسطوري ثُبِّت نتيجة البلورة التاريخية الطويلة والتعليم والتلقين المتواصلين، مع أن ذلك رُفِض من معاصري محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشركين.

وهو ما يجعل هاشم صالح - مترجم أركون - يعبر عن أسفه لأن العقل العلمي والفلسفي الحديث لم يحُلّ محل الوحي أو العقل اللاهوتي في بلادنا الإسلامية في حين حصل هذا في الغرب، وهُجر مفهوم الوحي التقليدي من قِبل العقل العلمي.

ومما يجعل تجاوز مفهوم الوحي التقليدي بنظر أركون صعباً هو أنه شديد الوضوح والبساطة مما يجعل " أشكلته " صعبة، وهو ما يعني أن أركون يريد أن يحوِّل الوضوح والبسااطة اللتين يتميز بهما الوحي في المفهوم التقليدي إلى غموض وتعقيد، وذلك لكي تتحول اللامشكلة إلى مشكلة في تصور الناس، والقصد من ذلك هو زحزحة المفهوم التقليدي الساذج للوحي وتجاوزه.

هذا هو مفهوم " الأشكلة " الذي يطرحه أركون ويفسره هاشم صالح بأن الأشكلة وسيلة لتحقيق " الأرخنة " يعني أن نجعل البدهيات والثوابت مشكلة، لكي نتمكن من تجاوزها عن طريق طرح أفهام جديدة تزحزح الفهم السائد والمستقر.

----------------------------

سؤال:

ما هي الزحزحة التي ينجزها أركون وهل تختلف عما رآه حسن حنفي؟

ليس فيما يطرحه أركون إضافة على ما رأيناه عند حسن حنفي إلا في طريقة العرض والأداء والتي تسهم الترجمة أيضاً بدور في إبراز الإطار الذي تدور في فلكه، إنها الزحزحة من المفهوم الإسلامي للوحي، إلى المفهوم الوضعي الغربي المادي أو " الإنسي ".

فـ "" الوحي ليس كلاماً معيارياً نازلاً من السماء من أجل إكراه البشر على تكرار نفس طقوس الطاعة والممارسة إلى ما لا نهاية، وإنما يقترح معنى للوجود، وهو معنى قابل للمراجعة والنقض بناء على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، كما أنه قابل للتأويل داخل إطار الميثاق أو العهد المعقود بكل حرية بين الإنسان والله "" عز وجل.

وإذا تأملنا في النص السابق نلاحظ أن:

- الوحي هنا بكل صراحة ليس معيارياً، أي ليس له حق الحاكمية والإلزام، أقصى ما هنالك أنه مجرد نصائح يحق للإنسان قبولها أو رفضها أو تعديلها عن طريق النسخ، إنها مجرد اقتراحات، وبذلك تكون وظيفة الوحي أنه "" دينامو روحي يغذي الطموح المطلق والبحث عن الكمال، وليست وظيفته الضبط والتنظيم والتسويغ "".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015