يقول محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله، بل يقرؤه كما يقرا العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله، ويعمل بمقتضاه"

[إحياء علوم الدين ج1 ص 516].

وقال بعض العلماء في هذا الصدد أيضاً:

"هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات"

[نفس المرجع والصفحة].

7 - وكانوا يرون أن قليلاً من القراءة مع تفهم وتدبر خير من كثير منها مع غفلة القلب وشرود الذهن.

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:

لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة"

[نفس المرجع ج33 ص 502].

وقال أيضاً:

"لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيراً"

[نفس المرجع والصفحة، ومعنى الهذرمة والتهذير: الإسراع في القراءة].

وقال رجل اسمه نهيك بن سنان- لعبد الله بن مسعود: إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: هذا كهذِّ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"

[لا يجاوز تراقيهم: معناه انهم يقرؤون القرآن بألسنتهم ولا يصل إلى قلوبهم، والتراقي جمع ترقوة، وهي العظم بين ثغرة النحر والعاتق، والحديث أخرجه مسلم واللفظ له ج1 ص 563، وأخرجه البخاري بنحوه 3/ 234].

8 - ويؤكدون في كلماتهم على أن تدبر القرآن وتفهمه إلى جانب كونه مطلباً دينياً وسيلة تربوية ناجحة لشفاء القلوب من قساوتها، والأعين من جمودها.

يقول وهيب بن الورد رضي الله عنه:

"نظرنا في هذه الأحاديث فلم نجد شيئاً أرق للقلوب ولا أشد استجلاباً للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره".

[إحياء علوم الدين 3/ 516].

9 - ويتحدثون عن طريقة تحصيل التدبر أثناء التلاوة فيقول أحدهم وهو الحافظ جلال الدين السيوطي:

10 - "وتسن القراءة بالتدبر والتفهم، فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، به تنشرح الصدور وتستنير القلوب… وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يلفظ به فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب"

[الإتقان في علوم القرآن ج1 ص 106].

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي:

"فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله، استشعاراً لعظمته، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولداً وصاحبة، يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقاً إليها، وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها"

[إحياء علوم الدين ج3 ص 516 - 517].

11 - وكانوا يرون أن خلو القراءة من التدبر يجعلها كأن لم تكن.

يقول الإمام القرطبي:

"قال العلماء: يجب على القارئ إحضار قلبه، والتفكير عند قراءته، لأنه يقرأ خطاب الله الذي خاطب به عباده، فمن قرأ ولم يتفكر فيه وهو من أهل أن يدركه بالتذكر والتفكير كان كمن لم يقرأه، ولم يصل إلى غرض القراءة من قراءته، فإن القرآن يشتمل على آيات مختلفة الحقوق، فإذا ترك التفكير والتدبر فيما قرأ استوت الآيات كلها عنده، فلم يرع لواحدة منها حقها، فثبت أن التفكير شرط في القراءة يتوصل به إلى إدراك أغراضه ومعانيه وما يحتوي عليه من عجائبه"

[التذكار في أفضل الأذكار ص 195 - 196].

وأسوق هذه الأمثلة على تدبر السلف الصالح لكتاب الله تعالى، والتي تنبئ عن الأسلوب الذي كانوا يتعاملون بع عند تلاوتهم لكتاب الله تعالى.

يقول بعض السلف: "كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه، ثم رُفعت إلى مقام فوقه، فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم منَّ الله علي بمنزلة أسمى، فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، وعندها وجدت لذة ونعيماً لا صبر لي عنهما"

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015