وعندما نقول إن القضايا المقطوعة في الدين ليست محلا للحوار والجدال نعني إثارتها على موائد الحوار، سواء كان في وسائل الإعلام أو غيرها بقصد إثباتها وصلاحيتها وإعادة النظر فيها وتقويمها وتغييرها، فهذا هو المنهي عنه، أما إذا كان القصد النظر في حكمها وأسرارها وبيان ذلك للناس وليس في صلاحيتها وملاءمتها فهذا لا حرج فيه. [52]

وهنا مسألة مهمة يجب الإشارة إليها أن كثيرا من القضايا المحسومة في الدين، مثل قضايا الحجاب، وتعدد الزوجات، والجهاد، وتحريم الزنا والخمر والربا، وغيرها، هي مسائل منبثقة من قضايا أصولية يجب الاتفاق عليها قبل الدخول في الأمور المتفرعة عنها؛ لأن مناقشة الفرع مع كون الأصل غير متفق عليه تعتبر نوعا من الجدل العقيم في كثير من الحالات.

وعلى سبيل المثال: فلو كان الآخر غير المسلم لا يؤمن مثلا بيوم القيامة والحساب، أو عنده أساسا غبشا وشكا في وجود الله تعالى وصفاته، وبدأ يحاور في قضية تحريم الخمر أو الربا أو حجاب المرأة المسلمة أو في تعدد الزوجات والجهاد - وهي كلها من القضايا المثارة اليوم في ميادين الهجوم الفكري وموائد الحوار - لا يمكن الوصول معه إلى نتيجة، ولا بد من الحديث معه في أصل دين الإسلام؛ لأنه لو اقتنع بالأصل لا يبقى مجال للنقاش في كثير من الجزئيات المنبثقة عنه.

وبناء على هذا الأصل يجب على المحاور المسلم أن يكون على وعي ودراية بما يجوز فيه الحوار مع الآخر وما لا يجوز حتى لا تكون ثوابت الإسلام وقطعياته محلا للأخذ والرد ومجلبة للتنازلات والمساومات.

5 - العزة الإيمانية والجهر بالحق والثبات عليه:

الشعور بعزة المؤمن والجهر بالحق والثبات عليه أصل قرآني آخر من الأصول التي يجب أن يستند عليه الحوار، والأصل في هذا قوله تعالى: ?وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ? [53]، وقوله تعالى: ?وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ? [54] فالمؤمن يخوض الحوار مع الآخر من منطلق الشعور بعزة الإيمان وقوة الحق الذي يؤمن به ويتمسك به، ولا شك أن هذا الشعور يزيده طمأنينة وثقة بالنفس أثناء الحوار ويمنعه من الوقوع في فخ المجاملات الزائفة وتقديم التنازلات المهينة.

والمحاور المسلم يستمد قوته من قوة الإسلام، والعزة الإيمانية ليس معناها العناد والاستكبار على الحق، وإنما هو خضوع لله تعالى وخشيته؛ لأن الشعور بعزة المؤمن يجعل الطرف المسلم في الحوار يجهر بالحق ويصدع به دون تردد، ويكون واضحا في بيان الحقائق وهو ينطلق في كل ذلك من نصوص القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ?أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ? [55] وقوله: ?فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ? [56].

وفي الجهر بالحق يتأسى المحاور المسلم بالرسول – صلى الله عليه وسلم – فيما أمره الله تعالى: ?÷فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ? [57] وقوله: ?وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ? [58].

ووجوب الجهر بالحق دون لبس وغموض وغبش يصحبه استشعار خطورة كتمان حقائق الدين، فقد حذر الله تعالى الذين يكتمون حقائق الدين بقوله: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ? [[59]، كما حذر عز من قائل أهل الكتاب من تزوير الحق قائلا: ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ? [60].

وإذا كان من أهم أهداف الحوار مع الآخر توضيح الحقائق وبيانها فإن المداهنة والمجاملة الزائفة المبنية على تلفيق المواقف والأفكار وتغطية الحقائق وتزويرها يتناقض مع غاية الحوار وغرضه؛ لأن كتمان الحقائق وقلبها أو التعامل الانتقائي مع المعلومات حسب الهوى لا يخدم في بناء الأرضية الصلبة للحوار والتدرج في مراحله بأي حال من الأحوال.

6 - البدء بالأهم والتدرج:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015