وهو السجن وهذه المرحلة لما بلغ أشدّه وصارت معيشة أخرى غير النمط الأول، والمرحلة الثالثة جمع شمله بأهله وسعادتهم أجمعين. إذن ثلاث مراحل الأولى عندما أصبح مملوكاً وفراقه عن أهله والثانية عندما صار سجيناً والثالثة اجتماعه بأهله.

هناك مسألة لما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، إذن رائحة يوسف في القميص وهذا أمر ثابت أن لكل إنسان له رائحة خاصة لكن لا يميزها كل الناس وإنما تميزها الكلاب البوليسية. ثم من الناس من إذا عصبت عينيه تعطيه قميصاً تسأله لمن؟ يقول لفلان ويعرفه من الرائحة. وأذكر أن أحجهم أخبرني أن زوجة أخيه يغسلون ملابس العائلة كلها في الغسالة ويعصبون عيونها ويقولون استخرجي ملابس زوجك تشتمها وتجمع ملابس زوجها بعد غسلها وقالوا هي أشد من الكلاب البوليسية. إذن إني لأجد ريح يوسف وهذه مسافة طويلة وهذا يحصل. التمساح يشم رائحة الفريسة من كيلومترات. فإذن هذا أمر إشارة إلى أن لكل إنسان رائحة تصح وتصلح للحكم والاستدلال ونحن نستعملها للاستدلال.

هناك أمر آخر الملاحظ الموافقات في قصة يوسف: القميص ذُكِر في ثلاث مواطن والرؤى ثلاثة: رؤيا يوسف وهو صغير (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) يوسف)، رؤيا السجينين ورؤيا الملك. إذن القمصان ثلاثة والرؤى ثلاثة والرحلات إلى يوسف ثلاثة: الرحلة الأولى لما جاءوا يستميرون يوسف ليأخذوا الميرة (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58)) والرحلة الثانية لما جاءوا بأخيهم واستبقاه عنده (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ (69)) والمرحلة الثالثة لما قالوا (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ (88)). إذن ثلاث رحلات. القمصان ثلاثة والرؤى ثلاثة والرحلات ثلاثة من حيث العدد، هذا من الموافقات. الرؤى متغيرة ليست نفسها لأن الرائي ليس واحداً وإنما هي رؤى مختلفة والقميص ليس واحداً وإنما متغير أيضاً قميص وهو صغير وقميص لما بلغ أشده وقميص أرسله إلى أبيه.

سؤال: ما الفرق بين الآيتين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة) و (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69) المائدة) في رفع ونصب الصابئين وما دلالة التقديم والتأخير؟

في المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)) وفي البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)). النصب ليس فيه إشكال وإنما الرفع هو الذي كثيراً ما يُسأل عنه. النصب معطوف على منصوب. الرفع في آية سورة المائدة من حيث الناحية الإعرابية ليس فيه إشكال عند النحاة لأنهم يقولون على غير إرادة (إنّ)، على محل إسم إنّ. في الأصل إسم إنّ قبل أن تدخل عليه مرفوع فهذا مرفوع على المحل أو يجعلوه جملة: والصابئون كذلك. لكن لماذا فعل ذلك حتى لو خرّجناها نحوياً؟ هي ليست مسألة إعراب فالاعراب يخرّج لأنه يمكن أن نجعلها جملة معترضة وينتهي الإشكال. لكن لماذا رفع؟ (إنّ) تفيد التوكيد معناه أنه قسم مؤكّد وقسم غير مؤكد. (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة، أبعد المذكورين ضلالاً، يقول المفسرون أن هؤلاء يعبدون النجوم. صبأ في اللغة أي خرج عن المِلّة، عن الدين. فالصابئون خرجوا عن الديانات المشهورة. وهم قسمان وقسم قالوا إنهم يعبدون النجوم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015